تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد سؤالين أو ثلاثة أرتفع الحبل .. ولم يرتفع معه صراخ أحمد هذه المرة، بل يده .. لقد فر قراره على أن يدافع عن نفسه حتى النهاية .. وانتزع الحبل من يد أبيه، فارتمى هذا عليه يريد خنقه .. وأمسك أحمد باليد الممتدة بقوة، فلواها حتى كاد يقصفها .. وهناك سمع صراخ أبيه: «أخرج .. أخرج .. من بيتي .. عليك اللعنة أيها المجرم .. سأقتلك إن رأيتك في بيتي!»، فأطلق أحمد اليد المرتعشة، ودفع أباه فألقاه فوق سريره .. وخرج هاربا من البيت بين بكاء أمه وعويل إخوته الصغار ..

وفي الصباح سافر إلى طنجة .. وهناك استطاع أن يلتحق بخدمة باخرة صيد أمريكية .. وبعدها بالأسطول الأمريكي .. وقضى هذه السنوات العشر متجولا بين البحار الشمالية وجزر الباسفيك ..

واليوم يعود إلى مسقط رأسه .. وحالما يجد نفسه داخل الإطار الذي عاشت فيه مأساته، تعود إليه ذاكرته حية كما لم تكن من قبل ..

وغاب صخب البحر .. وبدأ يسمع خطواته على الأرض .. وحفيف أنفاسه وهي تتلاحق .. وأبواب البيوت المتهالكة تمر من حوله كالأشباح ..

كان قد عاهد نفسه حين وضع رجله على تراب الوطن ألا يزور مدينته حتى لا يرى والده .. ولكنه عدل عن خطته على أن يزور المدينة دون بيت أبيه ..

وقد وجد نفسه الآن منساقا في نفس الشوارع الضيقة التي كانت تلفظه صغيرا نحو بيت أبيه بتوجيه غريزي ..

وظهر باب بيت أهله .. لم يتغير فيه إلا لون الطلاء .. إنه ما يزال كما كان منذ عشر سنين .. يا ترى ماذا فعل الدهر بقلب صاحبه؟ دق قلبه بعنف وهو يحاول جاهدا أن يمنع يدا مرتعشة من أن تمتد إلى جرس الباب ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٢