تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لجلالتك متحديا لمهابتك يا ومنا على أن بالدنية قي وطننا ويراودنا على أن ترهن مصير الأمة في عبودية مستمرة مستعملا لذلك أنواع الوعيد ممتطيا لذلك ضروب التهديد ومع ذلك لم يهن لنا عزم ولا ضعفت لنا قناة، «فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا». إنك لا تزال أمامي يوم أن طوق القصر وأصبح محاصرا ساكنا كالقبر ومازلت أتذكر وفد نظرت إليك نضرة إشفاق- وأراك وأنت تبتسم مرددا: «لا تحزن إن الله معنا». وهجم الظالمون على القصر وأخرجنا من أهلنا وديارنا لا نعلم أين المصير وحلقت بنا الطائرة وودعنا أرض الوطن الحبيب لا ندري ما ينتظره ولن أنسى ما حييت تلك اللحظة الخطيرة التي عشتها وإياك بين السماء والأرض داخل الطائرة التي كان منظرها وحده لا يوحي بثقة ولا اطمئنان وعندما علت في طبقات الجو لم يستطع قلبك أن يتحمل ضغط الأجواء ومع ذلك تجلدت وقبلت المخاطرة في سبيل أمتك وما هي إلا دقائق حتى أخد قلبك يرجف كالطائر الجريح داخل قفص فأسرعت إلى الربابين أطاب منهم أن يسوك جرعة ماء فامتنعوا فأيقنت بالكارثة وفاضت دموعي تترى وضممتك إلى صدري وكان عزائي الوحيد أن نموت متصلين متعانقين ولقد آلمك أن تراني باكيا فأخذت تطمئني وتقرأ آيات الصبر: «إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب»، إن إيمانك بالله لم يضعف قط ولم يصبك قنوط في المنفى لأنك كنت واثقا بما يعلم السر وأخفى لقد كنت تراها أشبه بالهجرة من مكة إلى المدينة وكان لك في رسول الله الذي هاجر وانتصر أسوة حسنة، لقد كنا ونحن في المنفى السحيق نتابع بطولة الشعب الذي جند نفسه لفدائك وكنت لا أشك لحظة في عودتك إل أمتك ووطنك وكنا نختلي الساعات الطوال لنضع التصميمات لمغرب الغد الحر المستقل ولم تمضي إلا شهور حتى صدق الله وعده ونصر عبده وهزم المستعمرين والعملاء وحده وكانت عودتك الظافرة نكسة الشر التي لم تقم له بعده قائمة «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا»

أيها المقاوم الأول

بثباتك وصبرك وبتضحياتك بسلطانك وعرشك لقنت للمواطنين دروس التضحية والفداء ورسمت لهم طريق الحرية والسعادة والرخاء فتسابقوا للمقاومة والتضحية وتنافسوا في بذل المهج السنية وتساقطوا شهداء في الميدان واسترخصوا كل غال في سبيل الأوطان وبين عشية وضحاها عدت لهذه الأمة وأنت رمز فداها بل أنت مبدأ التضحية ومنتهاها حاملا في يمناك اليمن والاستقلال وفي يسرك اليسر والإقبال

الجهاد الأكبر

أيها المنظم القدير

لم تسترح لحظة بعد تلك العودة وإنما رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وابتدأت الكفاح لتوطيد دعائم الدولة وتشيد صرحها ومواجهة مهام الاستقلال ضبطها فأقمت الأمر على أساس متين وأعليت شأن الدنيا والدين فهيأت للأمة قوانينها وإطاراتها وكونت لها شرطتها وجيشها وأقمت لها معالم الثقافة وأرسيتها وأقمت مؤسساتها التمثيلية وأعليتها وبوأتها المقام الأسمى في المحافل الدولية وأسهمت بجهودك المباركة في حظيرة جامعة الدول العربية ووضعت المغرب في المكان المرموق في الأمم المتحدة وأصبحت رسول الحرية والسلام تدعو لهما في الخافقين وتبشر بهما في المشرقين ولم تمض إلا شهور على هذا العمل الدائب حتى أصبحت بلادنا قبلة الوافدين ومحط اهتمام الشرق والغرب تقصدها الوفود من كل جانب ويعترف بفضلها الأقارب والأجانب تعقد فيها المؤتمرات ويسجل لها التاريخ أروع الصفحات فلم تغادرنا حتى مهدت لنا كل سبيل، وتركت لنا الخطة والدليل وخلفتنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك- «هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»

وقد أراد الله أن يصطفيك لجواره إلا بعد أن ختم لك بالحج المبرور وأن يمن عليك بفضل الوقوف في البقاع المقدسة وكان في حجك ذاك أعظم مغزى ذلك أنك وأنت في معترك الحياة العملية لا تنسى أن إلى ربك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٨٤