تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى ما تقدم من هذه الأسس قام الإسلام على نوعين من الأحكام، أحدهما أحكام ثابتة يجب الإيمان بها، ولا يسوغ الاختلاف فيها، وليس من شانها أن تتغير بتغير الزمان ولمكان، وتلك هي القطيعة في روايتها ودلالتها وهي لأساس الذي اوجب الله على المسلمين أن يبنها عليه صرح وحدتهم إلي متنازعين، وربط به عزهم وهيبتهم في أعين خصومهم والمتربصين بهم.

والنوع الثاني أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها و أحوالها، وراجعة إلى الفهم والاستنباط اللذين يختلفان باختلاف العقول و الإفهام، أو واردة بطريق لا يرقى إلى درجة العلم واليقين، ولا يتجاوز مرتبة الظن والرجحان.

والاختلاف في هذا النوع أمر طبيعي العقول تتفاوت، والمصالح تختلف، والروايات تتعارض، ولا يعقل في هذا النوع أن يخلو مجتمع من الاختلاف، ويكون أفراده جميعا على رأي واحد في جميع شؤونه، وهذا النوع من الاختلاف غير مذموم في الإسلام مادام المختلفون مخلصين في بحثهم باذلين وسعهم في تعرف الحق واستبانته، بل غنه ليترتب عليه كثير من المصالح وتتسع به دائرة الفكر، ويندفع به كثير من الحرج والعسر، وليس من شانه أن يفضي بالمسلمين الى التنازع والتفرق، ويدفع بهم إلى التقاطع والتنابذ.

ــــــــــــــ

مبلغ زهد النبي في الدنيا والتقلل منها

عن أبي هريرة (رضي) قال جاء رجل إلى النبي (ص) فقال إني مجهود فأرسل إلى نسائه قلن كلهن: لا والذي بعثك بالحق ما عندي الإماء؟ قال (من يضيفه الليلة رحمه الله؟) فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلة فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت الاقوت صبياننا، قال فعليهم بشيء فادا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى سراج حتى تطفئيه قال فقعدوا فأكل الضيف فلما أصبح غدا على رسول الله (ص) فقال (قد عجب الله من صنعكما بضيفيكما الليلة) متفق عليهما. وفيهما وقربى للضيف ما عندك قال فنزلت الآية (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وفي البخاري: ضف رسول الله (ص) لا ندخر به شيئا، وفيه إذا أرادا الضيف العشاء فنوميهم. فيه إن من سئل شيئا قام به أن أمكنه و إلا سال له لكن ليس في الخبر سؤال معين، وفيه ما كان عليه النبي (ص) من الزهد في الدنيا والتقلل منها، وفيه الاحتيال والتلطف بإكرام الضيف على أحسن الوجوه، والخبر محمول على انه لم يكن بالأنصاري و أولاده حاجة إلى الأكل بحيث يحصل الضرر بتركه وإلا لوجب تقديمهم شرعا على حق الضيف وفيه الإيثار ممن لم يتضرر بأمور الدنيا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨٤