دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص19
الدعوة الإسلامية في لبنان
"إنهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدى"
بقلم الأستاذ: عبد السلام الهراس
إذا كانت النكبات تخلف من ورائها الدموع والأحزان والخرائب والأشلاء، فانه قد يكون لها أحيانا نتائج ايجابية في صالح من حلت بهم تلك النكبات، وذلك عند ما تصادف أرواحا خاصة هيأتها العناية الإلهية لتتحمل رسالة الكارثة للنهوض بالأمة عن طريق تزويد ضميرها بالحيوية والشعور العميق بالعزة والكرامة.
وفي فلسطين حيث كانت النكبة العربية الإسلامية تترعرع وتصنع بأيدي الخيانة المزدوجة، كان يعيش "أبو عمر محمد الداعوق" الذي نزح إليها من لبنان ليدير بها معملا كمهندس مكانيكي، ولم يكن يفكر في المشاكل التي يتخبط فيها لمسلمون تفكير المصلح المنقذ، وان كان يعطف عليهم، ويشاركهم الأمم، غير أن شعوره باقتراب النكبة كان يفجر في أعماقه طاقات روحية جبارة فيندفع نحو كتاب "الإحياء" للغزالي، ليروي ظمأه الروحي وليستلهم منه ما يحقق له هدفه في نفسه أو ملا، وفي المجتمع ثانيا، حتى إذا وعى الكتاب وعي المتجاوب الصادق؟، اندفع نحو كتاب الله ليدرسه على نحو جديد، وليجدد الميثاق مع الله على خدمة المسلمين الذين فقدوا تلك الروح المبدعة التي أمدتهم بأسمى وأخلد و أقوى رباط، غير أنهم أصبحوا اليوم في فقر روحي، وأفلس اجتماعي، ومما جعل التفكك طبيعية.
وحلت الكارثة بفلسطين نتيجة ذلك الانحلال الروحي، والتفكك الاجتماعي، وخيانة بعض رؤساء العرب، وتواطئ أرباب المصالح العاجلة مع الصهيونية والمؤيدين لها من القوى الاستعمارية العالمية، ومست الكارثة أبا عمر الداعوق في المصنع الضخم الذي كان يدر عليه إرباحا، كما مسته في روحه، ورجع إلى لبنان يحمل في نفسه الشعور بالنكبة والخيبة، وقد تعمق في أسبابهما إلى إن وصل إلى النفسية العربية التي تحمل في جوهرها أسبابهما إلى إن وصل إلى النفسية العربية التي تحمل في جوهرها أسباب الكارثة، وأسباب الخيبة، وابتدأ أبو عمر يدعو أقرب الناس إليه فاستجاب له، وابتدأ أبو عمر يدعو أقرب الناس إليه فاستجاب له يعظهم ونأى عنه البعض الأخر، وبحث في كتاب الله عن اسم يختاره للجماعة الإسلامية الناشئة ليكون عنونا عليها وعلى سيرها و أخلاقها، فاستوقفته هذه الآيات" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونات، وإذا خاطبهم الجاهلون فقاله سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولن ربنا اصرف عنا عذاب جهنم أن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، والذين لا يدعون مع الله إلها أخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل دلك يلق آثاما" إلى قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة، بما صبروا ... الخ الآية. وشهد العالم الإسلامي ميلاد جماعة إسلامية في لبنان تحاول تهذيب نفسها بأخلاق القران، وسنة محمد عليه السلام، لتكون أهلا للقيادة والتوجيه.
وقد وجدت الدعوة نفسها أمام تيارات سياسية ودينية وطائفية وعصبية، ولذلك كان على الدعوة أن تسلك طريق خاصا بها، مستوحى من الظروف الخاصة التي يعيشها هذا البلد العجيب، وكان بودي إن أشرح هذه الظروف شرحا وافيا، غير أن ذلك سيجرنا إلى التصريح بحقائق عن السياسة والطائفية، وهذا مالا نريد الخوض فيه.
وقد استطاعت الدعوة أن تظفر بشباب درسوا بالمدارس الأجنبية كالأستاذ توفيق موري خريج الجامعة الأمريكية ببيروت، وجامعة أكسفورد بلندن،