تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مازالت في عصرنا تحتكم إلى الأحكام والنصوص التي وضعت منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا.

*

وكان التشريع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على الوحي من الكتاب والسنة، وعلى الرأي من النبي ومن أهل النظر والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه، وبدون تنازع ولا شقاق بينهم.

*

ومضى عهد النبي عليه الصلاة والسلام وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين فاتفق الصحابة في هذا العهد على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم، وفي هذا العهد أخذت تبدو الصورة الأولى من صور الإجماع بما كان يركن إليه الأئمة من مشاورة أهل الفتوى من الصحابة، وكان أهل الفتوى من الصحابة يومئذ وه المعتبرة، في الإجماع قلة لا يتعذر الاتفاق بينهم في حكم من الأحكام، ولم يكن يفتي من الصحابة إلا حملة القران الذين كتبوه و قرأوه وفهموا وجوه دلالته وناسخه و منسوخه، وكانوا يسمون (القراء) لذلك، تميزا لهم عن سائر الصحابة بهذا الوصف الغريب في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب.

*

ثم كان عهد بني أمية، فتكاثر الممارسون للقراءة والكتابة من العرب ودخلت في دين الله أمم ليست أمية فلم يعد لفظ القراء نعتا غريبا يصلح لتميز أهل الفتوى ومن يوخذ عنهم الدين، وهنالك استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القران ورواية السنن والآثار، وسمي استنباط الأحكام الشرعية بالنظر العقلي فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا سنة، وسمي أهل هذا الشأن الفقهاء فإذا جمع امرؤ بين الصنفين جمع له اللفظان أو ما يرادفهما.

*

وقد توصل علماء الإسلام إلى أن يستخرجوا من مجموع نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها قواعد عادة، فاستخراجهم قاعدة_ الضرر يزال_ من مثل قوله عليه الصلاة والسلام (لا ضرر و لا ضرر)

ويتفرع على ذلك أحكام لا تحصى في الفقه والقضاء، وان القواعد شانها أن تؤخذ من موارد متعددة في الشريعة الإسلامية، ولهذا كانت في نفسها قطيعة.

وقد يرى واضع القانون الضرر الصغير في الواقعة فيمنعه، ويبيحه الشارع لأنه وقاية من ضرر كبير، ومن هذا نشأت قاعدة_ ارتكاب اخف الضررين -ومن أصولها "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا" فان عيب السفينة ضرر أخف من أخدها غصبا

ومن قواعد التشريع الإسلامي قاعدة (العادة محكمة) أي أنها تجعل حكما في إثبات الأحكام إذا لم يعارضها نص، وابتنى قولهم (الممتنع عادة كالممتنع حقيقة) وقولهم (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) وقولهم (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص) وقولهم (لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الزمان)

أي أن الأحكام التي كانت مبنية على عرف طرأ عليه التغيير تتغير بتغير ذلك العرف، فتبنى دائما على العرف الذي لا يخالفه نص.

فالقواعد كما قلنا مأخوذة من النصوص، والنصوص لا تأتي إلا للمصلحة العامة، والمصلحة العامة تتمشى دائما مع الفطرة الإنسانية وسعادتها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨٣