تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الماديات والروحيات في القيم الاقتصادية والمعنوية بالاعتبار المتقدم.

وحينما حاولت الشيوعية أن تقصر المساواة على عدم التفاوت فيما يحتاجه الإنسان من ماديات بقطع النظر عن عمله المنبعث عن المواهب اصطدم نظامها على صخرة التطبيق وتبين لها أن التسوية في الماديات فقط لا تكفل التوازن الاجتماعي واضطرت لتعديل سياستها بالتقرب شيئا ما من النظام الرأسمالي الذي يجعل الجزاء على قدر العمل.

ولم اسق النظرية الشيوعية لاستدل بها على سمو النظام الإسلامي ووجاهته في تقرير المساواة كما يحلو لبعض الناس: يعتبرون النظم الأرضية مثال الكمال ويبحثون عن وجود مشابهات لها في الإسلام، كلا أن من يفعل مثل هذا لا يخالط قلبه حلاوة الإيمان ولا يتأتى له البحث في النظم الإسلامية بنزاهة، فهل يقاس الندى بالبحر أو الجوهر بحصى الرمل؟ بل سقته لبيان أن من يتناول تنظيم حياة الإنسان مفرقة غير مبال بارتباط أجزائها فانه لا يستطيع أن يجد حلولا عملية لهذا الإنسان الذي يعيش بالجسد والروح ويشتاق إلى ما يسمو به إلى الملكوت الأعلى مع نزوعه إلى ما ينزل به إلى الدرك الأسفل.

وهذا مما يؤيد أن الإنسان لا يستطيع تنظيم حياة الإنسان، وان المجتمع إذا لم تسعفه التعاليم السماوية المحيطة بسره وعلانيته المهنية على ماضيه وحاضره ومستقبله فانه يهيم في حيرة لا يعرف أولها من آخرها؛ وهذا هو السر في تخبط الإنسانية في مشاكل مستعصية الحل لا تحل جانبا صغيرا منها إلا لتقع في جانب أكثر تعقدا وأقبح تشعبا.

وحينما أمر الإسلام بالتوجه الكلي إلى الله الواحد الأحد قرر مساواة كاملة في جميع مظاهر الحياة فالوجدان يتحرر حين يصبح الإنسان لا يشعر بواجب العبادة والتقديس إلا لمن يتوجه إليه الجميع طائعا أو خاضعا.

ومن اكبر المظاهر التي تتجلى فيها هاته المساواة الصلاة والصيام والحج وفي هذه الأركان تبرز حاجة الجماعة أيا كان وضعها ومركزها لله الجبار المتكبر وفي الأركان نفسها تهذيب للنفوس التي تطغيها القوة الجسمية أو الثروة التي توسوس لصاحبها بأنه أفضل من غيره كما أن هذه الأركان تعالج حالة النفوس الضعيفة التي تتوهم في نفسها نقصا لضعف جسمي أو فقر مادي فتقويها بالثقة بالله والاعتماد الكلي عليه ما دام هو مالك الملك كما صرحت الآية (قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك انك على كل شيء قدير) فالأحوال الكونية والإنسانية من الخصب والقحط والغنى والفقر والمرض والصحة كلها من مشمولات القدرة الالاهية فإذا أشعرت النفس بمثل هذه المساواة فلن تكون في حاجة لان تتلقاها من تشريعات أخرى بطريق مباشر حيث تحس بها في أعماقها فلا تستطيع الصبر على تفاوت قائم على عرضيات زائلة غير مستقرة ولا أصيلة في الإنسان ونعني بتفاوت العرضي، التفاوت في المال الذي يفرض الموضوع تبيين وجهة نظر الإسلام فيه.

لقد قرر الإسلام بحجج دامغة أن الناس متساوون في المنشأ والمصير (فلينظر الإنسان مم خلق) (إليه مرجعكم جميعا) في الحياة والموت، في الحقوق والواجبات، أمام الله والقانون، ثم ترك الباب مفتوحا للتفاضل في الجهد والعمل، وفي الجزاء المادي والمعنوي (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) ومن عرض هذه الآيات، نرى أن الناس يتفاوتون في قيم معنوية يسمون بها إلى الملا الأعلى، وأخرى مادي يسمون بها أيضا أن أحسنوا استعمالها، وينحدرون بها إلى مهاوي النقص والفساد أن أساءوا استعمالها.

ولا سبيل لفرض المساواة في ما يكسبه الإنسان من مال ما دامت الفرص تتاح للجميع، فلا يقف أمام الفرد نشأة ولا أصل ولا نسب، ولا قيد من القيود التي تغل الجهود كما وقع في العصور المظلمة لاروبا

غير أن الشارع وان اقر التفاوت في المال، وجعله مصدرا للتفاضل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) فلم يعتد به كعنصر أساسي تنعدم معه المساواة حين يوجد في يد، بل اعتبره من زينة الحياة الدنيا الفانية التي تتداول بين الناس والتي لا تغني الإنسان شيئا، الم يعلن عن عدم نفعه لذاته

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٧٢