تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س 3 ع9/يونيو 1960 .................. ص16

الترف: آفة انهيار الأمم

للأستاذ: محمد المريني

مثال واقعي (شخص من أصحاب المتربة تتوق نفسه للعظام التي يشتريها المترفون لكلابهم، يتمنى لو يجد بعضها ليجعلها في قدره الذي يفطر به في رمضان)

من الأهداف البعيدة المدى للإسلام تمتين الروابط بين الطبقات، ومحاولة رفع الحواجز بين المتعايشين الذين ينعمون بالحياة ماداموا متعاونين كما هي إرادة الله، المومن للمومن كالبنيان يشد يعضه بعضا، ومع اعتبار الفوارق لا يمكن أن يوجد تعاون بين الناس، ولا تعاضد بين الأفراد، بل استغلال مما يؤدي بالمتساكنين إلى اضمار الشر بعضهم لبعض ما داموا لا ينتمون إلى طبقة واحدة.

ذلك أن الإنسان الذي هو اشرف المخلوقات جزء من كون كبير سخر له كل ما في هذا الكون من أفلاك وبحار وحيوان ونبات وغيرها؛ وهذه الكائنات تتعاون فيما بينها أليست الكواكب منتظمة في شروقها وغروبها لصالحه؟ أليست البحار تتداخل وتنبسط في جزرها ومدها لنفعه؟ أليست المياه تتفجر لفائدته؟ أليست النباتات تتلاقح فيما بينها لخيره؟ أليست الحيوانات تتناسل لخدمته؟ إلى غير ذلك مما هو مسخر لهذا المخلوق الذي كرمه الله وانعم عليه بالعقل الذي يسوقه إلى النعيم إن هو أحسن استعماله، يسوقه إلى الجحيم إذا هو أساء استعماله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) (الم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا) الآية ... ألا يدل هذا على أن إرادة الله هو تعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ليقطع المجار الدنيوي في هناء وسلام ويصل بإذن الله إلى دار السلام التي أعدها الله لمن سلم الإنسان من لسانه ويده.

ودعوة الإسلام إلى التعاون ناتجة عن طبيعة الإسلام في التشريع إذ انه لا ينظم الحياة الكونية على أنها أجزاء وأقسام، لا ارتباط لبعضها ببعض ولا اتصال فيما بينها بل يتناول تنظيم الحياة الكونية على أنها كل لا يتجزء فمهما صدر تشريع في جزئية فهو لجزء مرتبط بغيره روعيت فيه مصلحة جميع الأجزاء ومهما كلف كائن بعمل فهو لمصلحة بقية الكائنات التي تؤدي وظيفتها في الحياة وهي تنتظر ما يؤدي لها على قاعدة المقابلة بين الحقوق والواجبات؛ وقد لوحظ هذا الارتباط في جميع أحكام الإسلام المتنوعة الميادين فيستطيع الإنسان أن يرى أهداف الإسلام واضحة في عباداته ومعاملاته فغي الأحوال الشخصية والجماعية

وقد ركز الإسلام التعاون على ما فطرت عليه الكائنات من المساواة التامة التي أشعرت بها النفوس والأرواح حين أمرت أن تتجه كلها لقوة واحدة تعبدها فسعدت البشرية حين طبقت هذا المبدأ تطبيقا تاما فكان الجزاء على العمل البشري الذي يصدر عن شخص مساو لأخر في المنشأ والمصير واستمداد القوة من الله وبذلك لم يحسب للتفاضل المادي حساب ما دام بعد من الأعراض التي لا قدرة لأحد على تحصيله إذا لم يسعفه التوفيق الالهى وما دام العمل وسيلة له لا الميزة البشرية ولا الحسب والنسب.

وهكذا نستطيع تقرير أن الإسلام حقق مساواة كاملة في جميع مظاهر الحياة، في العقيدة وفي السلوك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٧١