تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمام الله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)؟ الم يعاتب الرب مصطفاه (صلعم) حين حانت منه التفاتة إلى بعض زعماء قريش الأغنياء وانصرف عن عبد الله بن أم مكتوم الفقير الأعمى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) وفي هذا العتاب تصحيح للقيم التي يعتز بها الإسلام ويهتم بأمرها فالكرامة الإنسانية يجب أن نصان وللنفس البشرية اعتبارها والتعهد الذي يحاط به الطفل وهو عادم لكل قوة يجب أن يستمر في كل أطوار الحياة (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا)

على أن الإسلام وان كان لا يعارض التفاوت في اكتساب الأموال، فهو لا يقر الطغيان بسببه، ولا يعده وسيلة تتكون عنه طبقات في الأمة تتناحر فيما بينها، ذلك انه يعتبر المال فيمنا للأشياء التي هي وسيلة من وسائل العيش الجماعي ويعتبر الأغنياء موظفين مستخلفين فيه أطلقت أيديهم فيما رزقوا اختبارا لهم من الله. (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) فان أحسنوا التصرف سعدوا وسعد معهم مجتمعهم، وإلا نزع من أيديهم وحجز عنهم، لان المال عماد الأمة بأسرها. (ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما) ويعلق الأستاذ «سيد قطب» في كتابه العدالة الاجتماعية على هاذين الآيتين فيقول: «لست أقرر هذا لأقرر شيوعية المال، فحق الملكية الفردية حق واضح في الإسلام، ولكني أقرر هذا لما فيه من معنى دقيق مفيد في تكوين فكرة حقيقية عن طبيعة الملكية الفردية، وتقيدها بهذا الأصل العام في نظرة الإسلام إلى المال، وبلغة أوضح، أقرر بان شعور الفرد بأنه مجرد موظف في هذا المال الذي هو في أصله ملك الجماعة يجعله يتقبل الفروض التي يضعها النظام على عاتقه، والقيود التي يحد بها تصرفاته، كما أن شعور الجماعة بحقها الأصيل في هذا المال يجعلها أجرا في فرض الفروض وسن الحدود هـ» يضاف إلى هذا ما يفرضه الإسلام من شرف الوسائل لاكتساب المال، وعدم التغرير بالناس في المعاملات التي تصبح غير نافذة إذا احتوت غررا.

هذا وهناك تشريعات تستوجب توزيع الثروة وعدم تكديسها في يد واحدة كنظام الإرث والوصايا، ووجوب النفقة وغيرها، وبذلك يقل التفاوت بسبب المال الذي تنشا عنه الطبقات المترفة.

ومن التشريعات التي عالج بها الإسلام مرض التفاوت الذي ينشا عنه المترفون، أمره لرسوله بتوزيع أموال الفيء على حسب الحاجة حتى لا ينحصر تداول المال بين الأغنياء (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وبن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) وبذلك يقرر أن الكفاءات أو الحاجة معها هما أساس استحقاق الوظائف كما يمكن أن نفهم من الآية انه مما يساعد على تكوين طبقة المترفين جمع وظيفين أو وظائف في يد شخص واحد بينما يتعطل غيره عن العمل

وينبغي أن نفهم أن هذا التشريع إنما هو لمصلحة الجماعة وسعادتها، ذلك أن الإسلام يكره تكديس الأموال في أيدي طائفة خاصة لكون ذلك أولا يثير الأحقاد والضغائن، وثانيا لكونه يتسبب في إثارة مفسدة من اكبر المفاسد، فحيثما وجدت ثروة فائضة، فإنها تعد كطاقة حيوية فائضة في الجسد، فتستدعي محلا تصرف فيه، ومن يضمن أن يكون موطن تصريفه مشروعا؟ إذ يمكن أن تأخذ طريقها في صورة ترف مفسد للنفس مهلك للجسد ومن ذلك انه يمكن أن يتوجه بذلك الفائض لقضاء شهوات تجسد متنفسها عند قوم محتاجين إلى المال، فيبيعون أعراضهم، ويتملقون، ويخادعون أصحاب الفائض للحصول عليه، وليست الدعارة وسائر ما يتصل بها من خمر وميسر وشراء الضمائر وتسخير الناس في المصالح الخاصة، ودفعهم للاغتيالات والإجرام سوى أعراض لتضخم الثروة في جانب، وانحسارها عن جانب آخر غالبا.

ومن المعروف أن الأفعال الإجرامية نوعان. نوع يكون فيه طرف جانيا وطرف ضحية إجرامه. ونوع يتبادل فيه الطرفان الجريمة بدافعين مختلفين وعلى كل فمنشأ الجريمة الترف ووجود الفائض، فيترتب الفساد عليه، وبالتالي يترتب الهلاك. وليس هذا الهلاك قاصرا على المترفين، بل يعمهم ومن يساكنهم «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها (أي فلم يطيعوا الأمر بل خالفوه) ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» وإرادة الله تظهر بظهور هذه الطبقة فوق مسرح الحياة مع وجود مشجعين لها، ومصفقين لشرورها، بل حتى إذا سكتوا عنها وقعدوا عن محاربتها، فيكون ذلك إيذانا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٧٣