لقد أصبح «رافائيل» جزوعا يرى الموت في كل مكان يولي وجهه شطره. فهو براه في أوجه المستطلعين الذين يمرون بباب الخلوة فينظرون إليه من خلال نافذتها الصغيرة الضيقة. وهو يراه في وجه راهب السجن الذي أخذ يزوره كل مساء كما لو كانت تلك الخلوة أحسن مكان للتدخين والحديث. وجعل «رفائيل» يتوجس خيفة من كل هذه الإمارات المنذرة.
ولم يكن في المستطاع أن تكون أسئلة الراهب أكثر إقلاقا. فقد سأل «رافائيل» عما إذا كان نصرانيا صحيح الإيمان يقوم بشعائر الدين فأجابه بالإثبات وبأنه كان يحترم الرهبان فلم ينهلم أبدا بأي سوء. أما أهله فلا حاجة إلى السؤال عن مدى تدينهم إذ أنهم آثروا الاعتصام بالجبال للدفاع عن الملك الشرعي لأن شماس القرية أمرهم بذلك. وكان «رافائيل» يلجأ لتأكيد تدينه إلى إخراج بعض الرقي والتمائم من بين الثياب الرثة التي كانت تغطي صدره.
وكان الراهب يأخذ ي الحديث فيما بعد عن المسيح الذي وجد نفسه في حالة شهيبة بحالة «رافائيل» مع أنه «ابن الله»، وكانت هذه المقارنة تدخل شيئا من السرور على نفس ذلك الشيطان المسكين فيعتبرها تشريفا له ... ومع اغتباطه بهذه المقارنة فقد كان يرجو أن تتأخر النهاية المنتظرة أكثر ما يمكن أن يكون التأخير.
وجاء اليوم الذي انفجر فيه الخير المخيف كما تنفجر الصاعقة. فقد أنهى قضاة مدريد الأعلون النظر في القضية فجعل الموت يسعى سريعا إليه لورود برقية تأمر بتنفيذ الحكم.
ولما اقترب أحد مستخدمي السجن من «رافائيل» ذات يوم لإخباره بأن زوجته وبنته التي ولدت إبان اعتقاله يحومان حول السجن لم يعد السجين يشك في أن النهاية قد اقتربت لأن زوجته ما كانت لتغادر القرية إلا بعد أن علمت بأن الساعة قد اقتربت حقا.
غير أن بعض المسجونين جعلوا «رافائيل» يفكر في العفو فتشبث بقوة بهذا الرجاء الأخير الذي يتشبث به جميع البائسين. وأخذ السجين يمني نفسه ببلوغ هذه البقية التي نالها من قبله معتقلون آخرون. وكان يرى أنه ليس من الصعب في شيء على تلك السيدة الموجودة في مدريد أن تنقذ حياته وتحفظه لأهله.
وجعل «رافائيل» يسأل كل من يصل إليه أما يحب الاستطلاع أو للقيام بواجبه كالمحامين والرهبان والصحفيين عما إذا كانت العذراء ستستجيب لندائه وتوسله وهو خائف مرتعش الشفتين. غير أنه كان من المقرر أن يساق إذا كان الغد إلى قريته مصفدا مخفورا كما تساق ثيران المصارعة إلى المجزرة. وقد كان يتصور أيضل زوجته وهي تقضي الساعات الطويلة بباب السجن في انتظار رؤيته لدى خروجه منه للذهاب إلى القرية. وكانت زوجته شابة سمراء ذات شفتين غليظتين وحاجبين متصلين تنبعث منهل رائحة الحظيرة القوية إذ هي سارت وارتفعت أذيال زيها.
وكانت زوجته مشدوهة لوجودها في ذلك المكان، فقد كانت نظرتها الغبية تنم عن الاندهاش أكثر مما تنم عن الألم. فلم تكن تذرف الدموع إلا عندما تنظر إلى بنتها وقد أحاطت بثديها في نهم. وكانت الزوجة تقول «يا إلاهي، ما أعظم هذا العار الذي لحق بنا جميعا. وقد كنت اعلم أن ذلك الرجل ستكتب له هذه النهاية. وليت بنتي لم تولد».
وكان راهب السجن يحاول تجميلها بالصبر فينصحها بالاستسلام والرضا بالقدر، فهي لا تزال شابة وفي الإمكان أن تجد بعد ترملها زوجا يسعدها. وكان هذا القول يشيع في نفسها الأمل حتى أنها عادت إلى الحديث عن خطيبها الأول الذي كان شابا وسيم الطلعة فاسحب خوفا من «رافائيل»، غير انه جعل في المدة الخيرة يقترب منها سواء في الحقول أو داخل القرية كما لو كان يريد أن يقول لها شيئا أو يحدثها بما يجد في نفسه.
لقد أخذت الزوجة تقول ف ينفسها بهدوء يشعر ببداية الابتسام «لا فإنني لن أعدم الرجال، غير أنني امرأة متدينة وأريد إن أنا تزوجت مرة أخرى أن يكون زوجي على نحو يرضي الله».
غير أنها أحست بنظرات الاستغراب يبعث بها الراهب ومستخدمو باب السجن إليها فعادت إلى الواقع مستأنفة نحيبها العسير.