به الضجر واليأس. إلا أن الحراسة كانت يقظة مرهقة. وقد كان من الواجب عليه أن يلزم الصمت. فقد حاول ذات يوم أن يتلهى بترتيل الصلوات التي علمته والدته في صباه وظل بعضها عالقا بذهنه فأجبره الحراس على السكوت. ذلك لأن هؤلاء كانوا يريدون الاحتفاظ به على الحالة التي كان عليها يوم دخل السجن من اكتمال الجسم والعقل جميعا حتى لا يكون الجلاد أمام جسد معطوب يوم يحين تنفيذ الإعدام. كان الحراس يؤولون ترتيله لتلك الصلوات على ذلك النحو الرتيب كما لو كان يريد أن يتظاهر بالجنون.
لم يكن «رافائيل» يريد أن يصبح مجنونا بأي حال. إلا أن السجن والأكل القليل يوشكان أن يقضيا عليه. فقد أخذ يرى في بعض الليالي مناظر مزعجة ويتمثل أعداءه المتربصين بحياته فتثور معدته ويتعذب العذاب الكبير من جراء وخزها القاسي وهو الذي تضيق نفسه بالضوء الكهربائي الذي لم يألفه ولو بعد مرور أربعة عشر شهرا.
وكان يقضي وجه النهار يفكر في ماضيه. إلا أن ذهنه كان مجهدا شاردا حتى كان يظن أنه يراجع قصة غيره. فقد كان يتذكر رجوعه إلى القرية الصغيرة التي ولد بها بعد أن دخل السجن أول مرة لإصابته لأحد من الناس بجروح. كما كان يتذكر صيته البعيد بين سكان الحي كافة ورواد المخمرة الواقعة بساحة القرية وإعجابهم به وتعظيمهم إياه بما كانوا يشيدون بقساوته. وكانت أجمل فتيات القرية ترضى عن التزوج به رهبة من شدته لا رغبة في به وعطفه. وكان أعضاء المجلس القروي يطرونه بالمدح فكانوا بنيلونه بندقية الحارس ليستعمل باسه الشديد عندما تحين الانتخابات، لقد كان يتذكر سيطرته التامة على ذلك القطاع. فكان يرهب الخصوم أعضاء الفريق الفاشل في تلك المشورة القروية حتى ضاقوا به ذات يوم فاحتموا بشجاع آخر كان حديث العهد بالخروج من السجن فأقاموه خصما عنيدا أمام «رافائيل».
يا إلهي، إنني، فعلت فعلتي فلأن الشرف المهني كان في خطر وكان من الواجب علي أن أمرغ أذن ذاك الذي كان يحرمني قوت يومي في التراب. وكان نتيجة محتومة أن أشفع الانتظار بالتربص ثم جاءت طلقة البندقية الصائبة ثم ضربه بعقبها حتى لا يصيح ولا يضرب برجله أبدا.
وخلاصة القول أن ما حدث كان من فعل الرجال، أما العاقبة فكانت السجن الذي وجد فيه رفقاءه السابقين. وحدث لما شرعت المحكمة تنظر في الدعوى أن تكتل ضده جميع أولئك الذي كانوا يكرهونه ويخافونه فانتقموا منه بالتصريح بما يدينه من الشهادات. ثم تذكر صدور الفصل عن المحكمة بعد الشهور الأربعة عشر الملعونة التي قضاها داخل السجن منتظرا أن يصل الأمر من مدريد بتنفيذ الحكم فيه. ولقد أبطأ الحكم في وصوله كما لو كان يسعى محمولا على عربة تدفعها الأيدي دفعا وثيدا.
وما كان «رافائيل» يفتقد الإقدام والشجاعة. فقد كان يفكر في «خوان بورطيلا» و «فرانشيسكو استيبان» الوسيم الطلعة وغيرهما من الرؤوس الصبورين الذي سارت الأمثال والحكايات بما فعلوا وكان ينصت إليها بحماس ويجتهد في ترويض نفسه لمواجهة تلك اللحظة الخيرة بمثل ما واجهوها به من صبر واحتمال.
غير أنه كان يحدث في بعض الليالي أن يقفز من سريره قفزة قوية كما لو كانت بذلك السرير آلة خفية تدفعه فيسمع الصدى الحزين الذي تحدثه الغلال عندما تنبعث فيها تلك الحركة المفاجئة. وكان يصبح آنذاك كما يصيح الصبيان ثم يندم على ما صدر منه فيحاول عبثا كظم ما كان يعتريه. وكان «رافائيل» يحس بان ذلك الصوت إنما يصدر عن شخص آخر سكن جسمه. وقد كان هذا الشخص إلى ذلك الحين مجهولا عنده يخاف وينتخب ولا تسكن ثورة نفسه إلا بعد أن يشرب ستة أكواب من ذلك المائع الساخن المعمول من ماء التين والخروب والذي كانوا يسمونه في السجن رحيق البن.
أما «رافائيل» القديم الذي كان يرجو لقاء أجله لينتهي ذلك العذاب الذي كان يقيم فيه فلم يبق منه إلا هيكله. ذلك لأن «رافائيل» الجديد الذي تكون في تلك الخلوة قد أصبح يخاف الموت ويتهيب اقتراب النهاية. وكان بوده لو استطاع أن يمدد عمره أربعة عشر شهرا آخر يعيش أثناءها ف يذلك الشقاء الذي عاش فيه إلى الآن.