تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد مرت في التاريخ المعاصر أمامنا أمثلة تجعل المم الضعيفة تخاف من اتفاق الدول القوية، فقد احتلت انجلترا مصر فلم تسكت عنها فرنسا بل فتحت محافلها وأنديتها لزعماء مصر زيادة على الفرنسيين حتى عقدت معها اتفاق سنة 1904 إذ سلمت لها المغرب في مقابل تسليم فرنسا لها في مصر وأخذت إيطاليا ليبيا كما سلمت فرنسا في عقد خاص بها شمال المغرب لاسبانيا وقد أغفلوا حظ ألمانيا في هذه الاتفاقات والتقسيمات فكان ذلك من أهم أسباب الحرب العالمية الأولى التي لقي فيها الظالمون بعض الجزاء عن اعتدائهم وظهرت حركات وطنية بعد تلك الحرب كانت لها نتائج باهرة بالنسبة للأمم الضعيفة، وإن كانت نكبة فرنسا وانجلترا في تلك الحرب لم تمنعهما من اقتسام تركة تركيا في فلسطين وسوريا والعراق وغيرها من الإمارات العربية.

ولو فرضنا أن الاعتداء الثلاثي على مصر لم تمانع فيه روسيا التي يضرها كثيرا استيلاء الدول الغربية على منابع البترول المخزون في البلاد العربية والإسلامية لكانت الحالة في البلاد الإسلامية جمعاء على غير ما نراها عليه، ولكن حكمة الله في دفع الناس بعضهم ببعض حبا منهم في جلب المصالح ودفع المفاسد هي التي حفظت هذا التوازن فعاشت الأمم الضعيفة في ظله آمنة ردحا من الزمن.

وما مؤتمر القمة التي تبدو الرغبة في عقده بين رؤساء يجعل الدول الصغرى تطمئن على مصيرها في المستقبل هو بقاء مذاهب هذه الدول الكبرى متباينة ومصالحها متعارضة، إذ بذلك يمكن أن تبقى روسيا تندد بظلم فرنسا لأهل الجزائر ويمكن به أن تبقى أمريكا والدول الغربية تندد بسياسة روسيا في بلغاريا وفيما يسمونه بما وراء الستار الحديدي، ويمكن بذلك أن تبقى روسيا تندد بالاستعمار الانجليزي في الطايلاند وجنوب الجزيرة العربية وغير ذلك.

ويمكن لكل دولة حرة غير مقيدة بسياسة معينة أن تندد بالميز العنصري في اتحاد جنوب افريقيا وفي نفس أمريكا حتى ترجع كل أمة ظالمة عن ظلمها ويتلافى بنزعات الخير الموجودة في النفوس ما يهدد العالم من نزعات الشر فتتماسك الحال ولله في خلقه شؤون وألطاف في تدافع هذه الكتل الكبرى من الدول بعضها ببعض حتى يبقى بصيص من النور والأمل أمام الإنسانية التي تعذب أمم منها بأيدي هؤلاء.

أما اندفاع بعضنا وتفاؤله بتقارب وجهة النظر بين المعسكرين وتشاؤمه من كثرة الخلاف بينهما فلا مسوغ لنظره إلا إذا كان المؤتمرون متشبعين بروح المحبة التي جاء بها المسيح عليه السلام، وإلا إذا لم تصرف دولهم أقساطا مهمة من ميزانيتها التي كادت بكثرتها تصل إلى الأرقام الفلكية في آلات تدمير الحضارات وإبادة الإنسانية.

ولكن حكمة الله في شريعة الوجود وحفظه إلى أجله المحدود هي تلك الآية الخالدة ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين.

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسير الآية ما خلاصته: إن الآية تشير إلى المدفوع به وذلك في قوله دفاع الله الناس بعضهم ببعض، أما المدفوع عنه فيتحمل انه الشرور في الدين من الكفر أو المعاصي ويحتمل أن المدفوع هو الهرج والمرج وإثارة الفتنة، كما يتحمل أن الدفع يكون بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، كما ذكر في الاحتمال الخامس أن يكون اللفظ محمولا على الكل يعني فيكون دفع الله الناس بعضهم ببعض عن الشرور كلها في الدين والدنيا حتى تتماسك الحال، قال الرازي لأن بين هذه الأقسام قدرا مشتركا وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه. وقوله حملنا اللفظ عليه فيه نوع تسامح لان المدفوع عنه غير مذكور باللفظ كما ذكر الرازي سابقا، ولكنه متعلق محذوف يقدر عاما شاملا ليستوعب أنواعا من الفساد التي بدفعها يحسن التعايش بين الناس. فيكون المعنى أن الكفر والمعاصي والهرج وإثارة الفتن بسبب التكالب على الغلبة وجمع الحطام قد أوجد الله في الهيئة الاجتماعية من يدفع غوائلها أو يخفف وطئتها من الأنبياء وأئمة الهدى والملوك والزعماء الصالحين الذين يأخذون بأخف الضررين عند تعارض الشرور، فيكون في ذلك حفظ نوع من المصالح لعموم البشر.

وعلى هذا فحفظ توازن القوى في جوانب من العالم وتباين المصالح الذي يجعل بعض الدول الكبرى تسترضي عددا من الدول الصغرى لتكثر بها سوادها وترهب بأحلافها أعداءها هو الذي يحفظ مكانة الأمم الضعيفة ومصالحها وكيانها في الوجود وقد قال الله تعالى في مغازي أمثاله وألطافه: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٦٤