تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 18

كيف عالج الإسلام مشكلة المرأة؟

للأستاذ عبد السلام الهراس

-2 -

قلنا أن الإسلام غير النظرة إلى المرأة فرفعها من الحضيض الذي تشقى فيه إلى المستوى الرفيع الذي تستحقه لتسعد في جنباته.

والإسلام في معالجته لمشكلة المرأة لم يقلد وصفة الفرس أو الروم المنحصرتين آنذاك وهو كدين ناضج للإنسانية الناضجة لم يسلك سبيل المسيحية في إصلاح الروح فقط وفي إيجاد فاصل بين الشارع والمعبد وبين ما لقيصر وما لله، كما لم يكن كاليهودية دينا أنانيا ذا إشعاع داخلي مغلق لا ينفذ شعاعه خارج نطاق أتباعه اليهود، بل سلك سبيلا عاما وشاملا، وعلى هذا يمكن أن نعرف الإسلام بأنه نظام رباني عامل لتنظيم العلاقات الإنسانية العامة والخاصة المادية والروحية أو هو كما يقول ليود ولد فايس (محمد أسد) منهاج للسلوك الشخصي والاجتماعي قائما على ذكر الله، وفي طبيعة النظام أنه لا يجزئ المشاكل بل يعالجها في إطار من العلاقات المتبادلة التي تكون المركب الاجتماعي.

وليست رسالة الإسلام علاج مشكلة جزئية كمشكلة المرأة فحسب بل رسالته علاج مشكلة الإنسان في جميع نواحيها هذه المشكلة تندرج تحتها جميع المشاكل الأخرى، ولسنا في حاجة إلى تدليل أو ضرب الأمثلة على أن الإسلام دين كامل ينظم الحياة الكاملة إذ أن هذا من البديهيات التي لا يجادل فيها سوى الغارق في بحر من الجهل، بالإسلام ومبادئه؛ فالإسلام تناول مشكلة الإنسان من الناحية الميتافيزيقية والأخلاقية والقانونية وربط بين هذه النواحي الثلاث بروح العبادة.

فالأساس الأول الذي عولجت عليه مشكلة المرأة في الإسلام هو:

1 - أن مشكلة المرأة حلقة في سلسلة من المشاكل الأخرى مرتبطة بها ارتباطا حيا وعضويا فلذلك يجب النظر إلى الجزء في مركبه عند المعالجة حتى لا تؤدي معالجة الجزء فحسب بقطع النظر عن علاقاته بالأجزاء الأخرى وملاحظته ما قد تتأثر تلك الأجزاء إلى شلل هذه الأجزاء وحينئذ يسري الشلل حتى إلى ذلك الجزء المراد علاجه.

فالناحية الاجتماعية تشبه الناحية الجسمية في تأثر الأجزاء بعضها ببعض. ومن المسلم به أن الطبيب عندما يريد مقاومة علة أو إجراء عملية فإنه لا يسرع لعلاج الجزء المريض دون أي اعتبار لبقية أجزاء الجسم بل إنه ليفحص الجسم فحصا شاملا ودقيقا ليكون على بصيرة بطبيعة العلاقات الموجودة بين الجزء وإخوانه، وإن لم يفعل ذلك -وهذا لا يحدث من طبيب عالم- فإن عمليته قد تفشل، وقد يكون معنى الفشل أحيانا الموت للمريض، وعل الجانب الاجتماعي أشد تعقيدا من الجانب الجسمي ولذلك كان الاحتياط ومراعاة المركب الاجتماعي من أهم ما يجب وعيه لدى المستهدف للإصلاح.

والملاحظ في دعوة الإسلام أنها لم تخص مشكلة بالعلاج دون أخرى، ولذلك كان النهوض شاملا وكان التعبير عن تلك المعالجة الكاملة حضارة إسلامية.

2 - أما الأساس الثاني هو أن الإسلام عندما تناول مشكلة المرأة لم يعتبرها منفصلة عن مشكلة الرجل بل نظر إليهما على أنهما مشكلة فرد في المجتمع وما يتراءى لبعضهم من أن للمرأة مشكلة منفصلة عن مشكلة الرجل إنما هو وهم ناتج عن النظر الجزئي القاصر في الإصلاح. بل هما في منطق العلم مشكلة واحدة لأن الرجل فرد من هذا المجتمع والمرأة فرد منه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٦٥