تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 16

حفظ التوازن الدولي

للأستاذ: محمد الطنجي

الناس مفطورون من لدن خالقهم الأعلى على حب الخير لأنفسهم ودفع الشر عنهم ما وجدوا على ذلك سبيلا، وهم لا يقنعون بالكفاف من الحياة إلا في الأقل النادر رغم أن عيشة الكفاف فيها راحة النفس من الكلف، والمن في الغالب من المخاطر والتلف. وقد حض الأنبياء ورسل الإنسانية على سلوك طريق الاعتدال في الاكتساب، حتى يقع الاكتفاء بالمشروع من الوسائل والأسباب، دون الممنوع الذي تضيع به حقوق الناس. فقال نبينا في هذا الصدد: إن روح القدس نفث في روعي أي في قلبي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله. وقال في نعمتي الأمن والصحة مع وجود القوت للحياة اليومية: من أصبح آمنا في سرية أي جماعته معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. في حديث غزوت تبوك أن النبي خطب هناك ومما جاء في هذه الخطبة: أن القناعة كنز لا يفنى. وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهي. ويفهم منه أن ما كثر ولم يله بل اتفق منه في سبيل الله ووقع التعاون به على طاعة الله والإحسان إلى عباده لم يكن بتلك الصفة بل يتنزل عليه ما قاله النبي في الحديث الآخر: نعم المال الصالح للرجل الصالح. وإليه يشير قول الله تعالى في مدح المتعبدين: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

إلا أن نفوس كثير من الناس تريد استيعاب أسباب الاستعلاء واكتساب المال والحطام من الحلال أو الحرام إلا من رحم ربك، وقد وجدت القوانين العادلة والسلطات المحافظة على تطبيقها في دائرة الأمة الواحدة. حتى يرتدع الأفراد عن الاعتداء ويلزموا المحافظة على حقوق بعضهم ولا شك أن قوة الأمن في الدولة تقاوم رغبة تعدي الأفراد الذين لم يمنعهم ضميرهم عن ارتكاب العدوان فيحصل الضرب على أيدي المشاغبين والفنانين، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال سيدنا عثمان ابن عفان. ولكننا إذا خرجنا من دائرة الأمة الواحدة على ما يقع بين الأمم نجدان لسياستها الاقتصادية ومذاهبها الاجتماعية تأثيرا كبيرا على نظرتها إلى الدول الأخرى صغيرة كانت أم كبيرة، ونجد أن الدول الكبرى تتجاذب بساط العز بينها وذلك بالرغبة في بسط سيطرتها على أكبر جزء ممكن من العالم إما بالسطوة السياسية أو السياسة الاقتصادية، وبذلك أصبحت كل واحدة من الدول الكبرى تتكتل مع الأمم التي تشايعها في مذاهبها حتى انقسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، يحذر كل واحد منهما خصمه، ويود كبته وقضمه: بينما رأت دول أخرى غير المتكتلة في المعسكرين أن تقف مسالمة لهما على الحياد رغبة منها عن الدخول في حرب باردة. أو ساخنة تكثر فيها خسارة الغالب والمغلوب.

وإن طبيعة حب الخير للنفس ودفع الشر عنها هي التي دفعت هذه الأمم جمعاء للتكتل أو الحياد بما فيها من أقوياء وضعفاء، وقد اقتضت حكمة الله أن تتنوع المصالح بين الدول القوية رحمة بخلقه وتفضلا منه على العالمين لأن اختلاف هذه المصالح واتباع كل دولة قوية لجانب منها هو الذي يحفظ التوازن فيما بينها وبالتالي يحفظ العالم من كثرة الحروب.

أما اتفاق الدول الكبرى إذا وقع فهو محنة للعالم. إذ لن يقع إلا على حساب الدول الصغرى والأمم التي لا تملك القنابل الذرية والهيدروجينية وما شابه ذلك.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٦٣