تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال قوم ما باله زير شك

لا يرى ما يراه كل الأنام؟

تائها في مفاوز العقل يغدو

ثم يمشي في حيرة وسقام

***

لم أزل باحثا أحاول كشفا

لخبايا نفسي وسر وجودي

وقيود الأرض الثقيلة تأبى

غير غمي في حماة التقليد

إنه تحليل شعري لفلسفة الشك - كما ترون- وفلسفة الشك باب بارز في الدراسات الفلسفية، ويقول الأستاذ عبد القادر حسن في الصداقة والصديق ما قاله أبو حيان التوحيدي في كتابه الذي يتحدث فيه عن «الصداقة والصديق».

إنما الأصدقاء فينا صنوف

واعف الجميع عند ابتلائك

هو من لم يطأ قفاك ليرقي

-عن قصور- ولم يلغ في دمائك

إن أزيد من عشرين سنة في الكفاح السياسي والأدبي قد أفضت بأخينا عبد القادر حسن إلى أن ينزع منزع الفلاسفة، والشعر حينما يصطبغ بالصبغة الفلسفية تستأثر به الأفكار من غير أن يقيم وزنا للنغم الموسيقي، وهذا حال صديقنا الأستاذ عبد القادر في «رباعياته» فلندعه في تأملاته حتى يمكنه أن يتحفنا برباعيات أخرى، يواصل بها كفاحه الأدبي الذي كان- ولعله سيظل- من جنوده الأوفياء ..

أما القصيدة الأخيرة في ديوان «دعوة الحق» فهي للسيد بنسالم الدمناتي وعنوانها «بحث عن الشعور» وقد قرأتها مرات فخرجت منها بهذه النتيجة، وهي: أن السيد بنسالم ما يزال يبحث عن الشعور.

وحينما يعثر على هذا الشعور سيكون في إمكانه أن ينتج شعرا أحسن وأفضل، على أنني أقترح أن يكون حريصا على تركيز المعاني في ذهن، وألا يحشر الكلمات حشرا دون قيد ولا شرط.

فالشعر كلمات ونغم موسيقي، وهو في نفس الوقت معان ينبغي أن تكون مترابطة مع بعضها، حتى تأتي القطعة الشعرية هيكلا بروح، على أن نفس القصيدة يدل في المجموع على استعداد نفسي لدى السيد بنسالم، ويشهد على ذلك قوله - مثلا-:

تخلف عن شبحينا الشعور

لأنا سلكنا طريق الرجوع

***

وسرنا نطوف .... ندور

نوزع عبر الروابي الشموع

ومع ذلك فإننا (بالسيد) ابن سالم ما نزال نبحث معك عن الشعور ..

وفي العدد الماضي من «دعوة الحق» قصيدة أخرى لا يتضمنها الديوان، ومع ذلك فلا أرى بأسا من الإشارة إليها، وأعني بها قصيدة السيد عبد الله السعداني التي عنوانها «مجاهدة» وهي من الشعر الجديد، وأنا من أولئك الناس الذين يرون في الكثير من هذا الشعر أنه نثر وإنما يكتب متقاطعا، وأن البعض منه لا يتوفر على قواعد الشعر، ولا على نغمة وموسيقاه، ولا حتى على معان ينسجم بعضها مع البعض الآخر، على أنني لا أنكر أن هنا من يفوق في بناء إطار فني لقطعة من هذا الشعر الجديد، ولكن الذين يتفوقون في إشادة هذا البناء قليلون وقليلون جدا، وأذكر منهم على سبيل المثال: نازك الملائكة، وفدوى طوقان، وستة أو سبعة آخرين من مختلف أنحاء العالم العربي، أما هذا الكلام الذي تصفف فيه الكلمات في غير انسجام لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى فإنما هو هوس والسلام، ويقتحم بابه بعض الناس نظرا لتحرره من قيود القافية والوزن التي تكون حدا فاصلا فيما بين الشعر والنثر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٢٤