تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأين وقع هذا الإخلال في قصيدته «سافرة»؟ تعالوا معي نقرا المقطع الأول منها:

أسفرت كالشمس تلقي شبكا من سناها ورست بالبرقع

كاعب بين حسان كالدمى

تتحدى كل ظبيات الحمى

بجمال أبدعت فيه السما

ما رآه الضب حتى ارتبكا وتهاوى قلبه في الأضلع

أو رأيتم هذه «الأضلع» كيف جاءت نابية في الترتيب الموسيقي؟ إن تشبيه الحسان بالدمى لم يعد صالحا اليوم، وأضف إليه (الظبيات) فلو أن الحلوي أخذ طابع الموشح وصاغ فيه صورا جديدة، تناسب بيئة «سبو» التي جعل منها إطارا لقصيدته، لجاء العرض أحسن، وأنني على وفاق تام مع السيد الحلوي في أن الشعر يجب أن يظل في إطاره العربي، ولكني لست معه في أن يظل الشاعر في سنة 1959 يشبه الحسان بالظبا أو بالدمى لأن التطور شيء بينما المسخ شيء آخر، وإنني مع التطور لكنني أكره المسخ، ومن تطور الشعر انه لم يعد صالحا، لأن يكون مشتملا على هذه التشبيهات التي تضفي عليه صورا من صور المبالغة والاستعارات التي فات زمنها وانقضى.

فمن الأحسن ومن الأنسب للشعر المعاصر أن تكون صوره مستمدة من الواقع أو منسجمة معه، ومن الأحسن والأنسب للشاعر أن ينفعل مع واقعه ومع أحاسيسه انفعالا صادقا ليأتي بالصور الشعرية الفنية التي ترسم الصور في غير مبالغة ولا تهويل، فلم يعد الشعر صالحا لأن تشبه فيه الغادة بالشمس التي تخلف الشمس إذا لم تطلع - كما تقول قصيدة الشاعر السيد الحلوي- فلو أن الله سبحانه حباني شاعرية في قوة شاعرية الحلوي وخصبها لاقتصرت على وصف دفين العواطف وكما هي بدون «رتوش» ولفضلت أن أرى المناظر أو أنفعل مع الحوادث فأصور الإحساسات بهذا النغم الموسيقي الذي يتوفر لدى شاعرنا الحلوي، وما زالت أذكر له البعض من مثل هذه الصور التي كان يتفنن في إخراجها وإبداعها، فعسى أن يعيش الحلوي مع الواقع المغربي ويتحفنا بقصائد تصور القبائح والرذائل التي يزخر بها مجتمعنا، لأن مجتمعنا ليست فيه السافرة التي يمكن أن تخلف الشمس، ففيه السافرة الجميلة، المترعرعة البضة المترفة، وفيه كذلك السافرة التي تحمل الجرة أو أكوام الحطب على ظهرها تقطع بها المسافة الطويلة وهي تئن تحت تقلها وعبئها، لأننا نعيش في مجتمع متناقض الجزاء، فلماذا لا يكون لهذه الصور حظ شعر الشعراء.

أنني أرجو أن ينشط الشعراء، وأرجو كذلك أن تتاح لهم فرصة الاندماج في مجتمعهم الذي يعيشون فيه لينتجوا شعرا صادقا، وليستغلوا مواهبهم فيما ينبغي أن تستغل فيه وليكونوا معبرين عن الحياة الإنسانية بما فيها من آمال وآلام.

وصور «سافرة» التي رسمها الحلوي في قصيدته تعتبر شيئا من هذا القبيل لولا ما يشينها من مبالغة أو تناقض في بعض الأحيان، وأسوق هذا المقطع للتأكيد مرة أخرى على أن المبالغة تنقض من قيمة الصور الشعرية في بعض الأحيان:

وتناجينا وغنيت لكا لحن حب لست فيه أدعي

لست أنسى ذكرياتي في (سبو)

مرتع خصب وواد معشب

وشذى يزكم أنفي طيب

فما هو هذا الشذى الذي يزكم الأنوف يا صديقنا الحلوي؟ اللهم إلا أن يكون شذى السعوط - النفحة-.

وأترك صديقنا الحلوي الذي ما فتئت تعجبني محاورته، لأنني معجب بشاعريته، وإعجابي به هو الذي يجعلني أدقق معه الأمور، فأتركه وأهنئه على «سافرته» لألتقي بصديق آخر وأخ كريم، هو الأستاذ عبد القادر حسن، وأنا أعرف الأستاذ عبد القادر حسن منذ عهد «أحلام الفجر» وأحلام الفجر هو اسم ديوانه الذي نشره في سنة 1936 على ما أظن، ولقد شارك في ديوان «دعوة الحق» برباعيات .. فهل أصبح صديقنا الأستاذ عبد القادر حسن فيلسوفا، أو هل أصبح ينزع إلى الفلسفة على أقل تقدير.

إنه يتحدث عن «الشك» في هذه الرباعيات كما كان يتحدث عنه ابن مسكويه، ويتحدث عن «الصديق» كما كان يتحدث عنه أبو العتاهية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٢٣