تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأندلس» على الجمهور المراكشي، ومن المعلوم أن شوقي في مسرحيته هذه يتجه اتجاها يظهر عمل يوسف بن تاشفين مع المعتمد بن عباد في صورة تكتسي شيئا من القساوة أو الشذوذ بألطف تعبير، ولشوقي بعض العذر في هذا الاتجاه، لأنه كان ينظر إلى هذا الحادث من زاوية الأدب لا من زاوية التاريخ، وهو الجانب الذي نظر إليه يوسف بن تاشفين، وهو نفس الذي كان يؤمن به شاعر الحمراء، وما إن ابتدأ عرض الرواية على ما كان يرويه ابن إبراهيم نفسه، حتى احتدم شاعر الحمراء غيظا، وثار ثورة من ثوراته المعروفة، فلم يجد بعض الأصدقاء بدا من أن يقوموا بمساعي حميدة لعمل شيء يخفف من ثورته ويفرج كربته، فكان هذا الشيء هو هذه القصيدة التي اتفق الطرفان على أن يلقيها الشاعر على إثر الانتهاء من عرض الرواية، فجاءت كما هي الآن يبدو على أبياتها طابع الارتجال، لأنها من عفو الخاطر، ولأن ابن إبراهيم كان «يعز عليه أن يرى مصير ابن عباد بعد مجده، كما كان يعز عليه أن يراه مصفدا يساق إلى أغمات» ولكن عمل يوسف بن تاشفين كان «لنصر دين محمد، وإنقاذه من بؤرة الهلك والنكد، ولكن المقطع الذي قبل هذا يدل على أن شاعر الحمراء كان يرى في تصرف يوسف بن تاشفين عملا إيجابيا حتى أنه شبهه بالفاروق عمر بن الخطاب .. »

الفاروق إفريقيا! امتشقت مهندا

وقبلته شوقا وطوحت بالغمد

والشطر الأخير من البيت يشكل صورة فنية لا تخلو من إبداع ولو أنه إبداع بسيط:

ورحت به ركضا لأندلس بها

تصد ذوي الأغراض عن سيء القصد

فأبقيت للإسلام باذخ مجده

ولولاك أضحى الدير مقعد المجد

إلى أن يقول:

ولم تكترث بالغانيات وعودها

وتسوية الأوتار في نغم (الرصد)

ولم تحتفل بالراح من كف كاعب

لتشريف من ثغر وتهوي إلى نهد

بك استنجدوا طرا فكنت لصوتهم

صدى شيمة الأسد الضواري مع الأسد

وهذا البيت لم يكن محله هنا وبعد البيت الذي قبله، لأن الانتقال مباشرة من الثغر والنهد إلى الأسد الضواري مع الأسد، فيه ما فيه من إخلال بالعرض الفني، ومهما يكن من أمر فإن القصيدة رغم ما يبدو عليها من أثر الارتجال، فإن بعض أبياتها تشهد بهذه الموهبة التي كان يتمتع بها شاعر الحمراء.

وأود هنا بهذه المناسبة أن أوجه نداء حارا إلى أصدقاء هذا الشاعر وإلى الذين يتوفرون على قصائد من شعره أو يحفظونها، أن يوجهوها إلى «دعوة الحق» لتنشرها حتى لا تظل في زوايا النسيان، وحتى لا يظل اسم هذا الشاعر نسيا منسيا.

فهناك الكثيرون ممن يحفظون قصيدة «المطعم البلدي» والقصيدة التي يهجو فيها الشاعر الخليفة البياز، وغيرهما من القصائد ذات الطابع الاجتماعي والفني، لأن نشر مثل هذه القصائد يلقي بعض الأضواء على حياة هذا الرجل الذي يحتل نفس المكانة التي يحتلها كل من الشاعر العبد، والديب في مصر. ولئن كانت حياة هؤلاء الشعراء تتسم بشيء من الشذوذ فإن شعرهم يعد بحق صورة من صورة المجتمعات التي عاشوا فيها، ومن وظيفة الأدب أن يملي خبايا المجتمعات ويظهرها في مرآته الصقيلة.

وانتقل إلى قصيدة أخرى في الديوان وهي قصيدة الشاعر الحلوي، وصديقنا الحلوي شاعر أصيل كما كان رأيي فيه منذ زمان، لأنه شاعر بطبعه، وهو ينوع باقاته الشعرية تنويعا يدل على ذوقه السليم.

وقصيدته «سافرة» المنشورة في ديوان «دعوة الحق» نحا فيها منحى الموشحات الأندلسية، في الأسلوب وفي الوزن كذلك .. إلا أن كثيرا ما يخل بالجمال الموسيقي في قصائده، وتلك آفة تسببها له هذه القوافي التي تدعو بعض الناس إلى التحرر منها، لأنها تحملهم فوق ما يطيقونه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٢٢