وإنني أنتهز هذه الفرصة كذلك لأحدثكم عما شاهدته في مصر مما يفعم القلب سرورا من إقبال الأمة على العمل بجد في سائر المناحي الاقتصادية والثقافية، فحركة التصنيع قائمة على ساق، ويسهر عليها رجال مقتدرون، وقد كانت نتيجة للاعتداء الثلاثي الذي جعل المصريين يلمسون أن الاستقلال السياسي ما لم يدعم باستقلال اقتصادي يبقى دائما مهددا وقد وفقوا في هذا السبيل.
وأما الحركة العلمية فهي سائرة بخطى سريعة نحو إدراك شأن الأمم المتقدمة بكثرة ما أسست من مدارس ومن معاهد ومن جامعات، وقد اطلعت على الكثير من هذا النشاط التعليمي وزرت عدة كليات ومدارس ثانوية، والعربية في كل هذا سائدة وفي كل مظاهر الحياة الشعبية مما يثلج الصدر ويبشر بمستقبل زاهر لثقافتنا.
ومن المشاهد أيضا وهو يسترعي النظر بكيفية واضحة النهضة الدينية الإسلامية التي تظهر في ما ينتشر من مؤلفات عن الإسلام وتاريخه وحضارته، مما يظهر جليا في الكتب المعروضة في واجهات المكاتب، كما تتجلى هذه النهضة في المساجد التي تؤمها كل طبقات الشعب خصوصا يوم الجمعة، والشباب بالخصوص مقبل على تأدية هذه الفريضة، وإذا دخلت مصلحة من المصالح الوزارية أو الإدارية يسترعي انتباهك فوق رأس الوزير والموظف الكبير أو الكاتب الصغير اسم الجلالة مكتوبا بحروف جميلة كبيرة يرعى أعمال الموظفين، ونعمت السنة هذه.
هذه أيها السادة ارتساماتي عن هذه الرحلة إلى البلاد المصرية الشقيقة، أي ما يسمى الآن الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة، وإني أكرر بهذه المناسبة شكري لكل من سهلوا علي المقام في بلاد الكنانة ويساعدوني على تعرف نشاطها الثقافي.
وبعد فإن الذي سنخلصه من هذا الحديث وقد طال، هو أنه يتعين على المغرب أن يحتاط من الوقوع في العزلة التي كانت سبب تأخره وفقدان حريته، وإن لا ينكمش على نفسه، وأن يقوم بالتعريف بشؤونه ماضيها وحاضرها، وأن يتتبع بجد واهتمام ما يقع عند غيره حتى يستطيع مسايرة ركب الحضارة الحديثة ويكون أهلا للاستقلال الذي حصل عليه بفضل كفاح أبنائه الأبرار، وعلى رأسهم محمد الخامس نصره الله.