وإن الغاية التي يعمل لها المجمع، هي جعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن كل العواطف والأفكار والآلات والمصطلحات العلمية والفنية، وأن موضوع اللغة العربية ومشاكلها من المواضيع التي شغلت ولازالت تشغل كل المفكرين في بلادنا العربية وقد مرت دراستها والبحث عن الحلول لما يدعوه بعضهم بأطوار مختلفة.
وأولا أريد بهذه المناسبة أن أدرس معكم هذه المشاكل. يظهر لي أنه بكثرة ما رددت هذه اللفظة وبكثرة ما أشتغل بها غير أبناء العربية من المستشرقين الذين كانوا يجدون صعوبة وأي صعوبة في تعلمها، وبكثرة ما قلدهم أبنا الشرق في مناقشة هذه المسألة عن حسن نية بحثا وراء إيجاد حلول للمشاكل، أقول لكثرة كل هذه العوامل صارت المسألة معقدة وبولغ في تضخم هذه المشاكل حتى أدى ذلك إلى التفكير في حلول لا تمت بصلة للغة العربية، وإنما فيها القضاء عليها وقطع الصلة بينها وبين تاريخها المجيد.
وأنا لا أنكر مطلقا أن للعربية مشاكل ولكنها لا تعدو أن تكون من نفس نوع مشاكل اللغات الحية الأخرى كلها، بل هناك لغات كالصينية مثلا لها مشاكل تفوق بكثرة مشاكل لغتنا مع أن الصينية لغة شعب ذي حضارة عريضة لم تمنعه صعوبتها من المساهمة في بناء صرح الحضارة البشرية.
وإذا فما هي مشاكل لغتنا؟ هذه المشاكل ترجع قبل كل شيء في نظري إلى الطباعة، بمعنى أنه عندما اخترعت الطباعة لم نفكر في ابتكار حروف خاصة لها، وأخذنا نطبع كما نكتب، والحالة أن مخترع الطباعة بالحروف اللاتينية جعل شكلا خاصا منفردا لكل حرف، ولم يربط الحروف بعضها ببعض كما يفعل عند الكتابة، فسهل عليهم العمل. أما نحن فأخذنا نطبع كما نكتب، وبما أن لأكثر حروفنا شكلا عند ما يكون في الأول وشكلا أخر عند ما يكون في الوسط أو في الأخير أو منفردا، اضطررنا لعدة أشكال وعدة خانات في صندوق المطبعة مما يكلف أثمانها باهظة وزمنا طويلا، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك مشكلة لم تظهر إلا عند ما صرنا مضطرين لنشر التعليم بوسائل سريعة، وذلك أننا لا نحتاج إلى وضع الحركات حيث أن النحو العربي والصرف واللغة لمن يتقن كل هذه العلوم ـــ وكان لنا في الماضي من الوقت ما يكفي لإتقانها ـــ كل ذلك يساعد على القراءة بدون حركات، أما الطفل الصغير والكهل الأمي الذي نريد أن نعلمه القراءة والكتابة فليس لهما من الوقت ما يسمح لهما بالتعلم بسرعة كما يفعل من يتعلم القراءة والكتابة بالحروف اللاتينية مثلا.
وعليه فالمسألة من هذه الناحية لا تحتاج إلا إلى إصلاح بسيط في ما يرجع للطباعة، وذلك ما توصل إليه الأستاذ الأخضر في طريقة لا تخرج عن أساليب الكتابة العربية، وقد وجدت عند ذهابي للقاهرة المسألة موضوعة عند وزارة التربية والتعليم وعند المجمع اللغوي، فحدثتهم عن ابتكار الحروف الجديدة وقد طلب مني معالي الوزير السيد كمال الدين حسين أن أوجه له نسخة من حروف الأخضر، وكذلك المجمع، وقد فعلت. وإن وزارة التربية الوطنية عندنا جادة الآن في إخراج هذه الحروف إلى حيز الوجود، أما مسألة الضبط أي جعل الحركات، فإن الحروف الجديدة تساعد عليها كذلك بدون أن تتضخم المصاريف، على أنه يمكننا أن نطبع كل الكتب المدرسية بالشكل التام وذلك ما قرره المجمع ووزارة التربية0 والتعليم في الجمهورية العربية المتحدة ريثما يتم الاتفاق على اتخاذ حروف جديدة، وأننا نأمل أن تكون هي حروف الأستاذ الأخضر لأنها أقرب الابتكارات للأساليب العربية حتى أن الناظر إليها لا يميز الفرق بينها وبين الحروف العادية، وقد عدل كل المشتغلين بهذه المسألة حتى من المستشرقين أصحاب الفكرة الأولى عن اقتباس الحروف الأجنبية لكتابة العربية.
وأن هذين المظهرين مما يسمى مشاكل اللغة العربية اعتبرهما طفيفين وإنما المشاكل الحقيقية العويصة في نظري هي أولا نقصان اللغة العربية من المفردات لكل ما استجد في هذه المدنية الحديثة، ثانيا عدم توحيد هذه المفردات بين كل الأمم العربية، ثالثا وهو أكثرها خطرا الكسل الفكري الذي يتصف به العرب حيث أننا لا نريد أن نفهم أن اللغة الحية ليست هي التي نحاضر بها ونكتب بها رسائلنا ونؤلف بها كتبنا، وإنما اللغة هي التي نتخاطب بها ونتكلم بها في البيت والشارع، وليس معنى هذا أنني أدعو إلى التكلم بالغة العربية الفصحى مع الإعراب التام، ولكنني أريد أننا لا نستعمل هذا السيل الجارف من المفردات الأجنبية في لغة تخاطبنا من أفرنسية واسبانية وإيطالية وتركية وإنجليزية، فلا يكفي أن نصطلح على تسمية مستحدثات جديدة بأسماء عربية كالقطار والبريد وطابع البريد، مثلا عندما نتكلم نقول " التران" أو "اشمان ديفير" و "البوسطة " أو " الكوريور" و " السيو" أو " التنبر".
هذا هو المشكل الحقيقي والذي لا يمكن أن يعالج إلا بفرض التكلم بلغة سليمة على المعلمين أمام تلاميذ تهم، حتى لا يسمعوا إلا اللفظ العربي، ويجب على المثقفين كذلك أن يتخلوا عن كسلهم الفكري ويسهروا على مراقبة ألسنتهم حتى لا ينطقوا إلا باللفظ العربي.
والمجمع اللغوي جاد في وضع المصطلحات العلمية وألفاظ الحضارة للغة التخاطب، وهو يحضر ثلاثة قواميس الكبير والمتوسط والصغير وقد قرب إنجاز هذا الأخير، أما المتوسط فسيظهر بعد سنتين أو ثلاث، أما الكبير فيتطلب زمنا طويلا وأبحاثا دقيقة.