دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 26
لغة القرآن والقومية العربية
الأستاذ: محمد الطنجي
إن الله سبحانه هيأ للغة العربية خير الحظوظ، حيث أنزل بها كتابه المحفوظ بوعده الصادق على لسان الوحي الناطق، فكانت تلك الميزة منذ فجر الإسلام ونزول القرآن هي الطابع الحقيقي للقومية العربية، وكانت لغة القرآن هي ترجمانها المعبر عن أهدافها ومراميها بين مختلف الشعوب المتعددة الأجناس والألوان، تجول مع القوم العرب في كل ميادين الحياة وتنقل إليهم مختلف الحضارات والثقافات، ويصدر بها إنتاجهم العلمي والأدبي في جميع الحالات فهي لسانهم السياسي في هيأة الأمم العالمية، وبها أصل كلامهم فيما يحضرون من مؤتمرات، كلما اعتزوا بقوميتهم كما يعتز غيرهم من الأمم المتمدنة، وإذا رجعنا إلى بداية تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى إبان فتوحات الإسلام واعتبرنا ما يقوله المؤرخ الإجتماعي المسيحي جورجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي من أن عمر بن الخطاب هو مؤسس دولة المسلمين، وقد أسسها على امتن دعائم الملك أسسها على العدل والتقوى والزهد والاستهلاك في نصرة الحق مما يندر اجتماعه في رجل واحد، وقد يوهم لغرابته انه من قبيل المبالغة، ويسهل علينا التصديق به إذا تذكرنا النتائج التي ترتبت على تلك المناقب مما لم يسمع بمثله في التاريخ، هذا ما يقوله عالم مسيحي عن عمر نقول إذا اعتبرنا هذا نجد أن موقف عمر من تعميم نشر اللغة العربية بالغ الأهمية، إنه كان يكتب إلى الآفاق آمرا بتعلمها مع السنة والفرائض كما يتعلم القرآن، قال الحافظ بن عبد البر ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله وهو العلم بلسان العرب، ومواقع كلامها، وسعة لغتها، واستعارتها ومجازها، وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصه، وسائر مذاهبها لمن قدر، فهو شيء لا يستغنى عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن أي النحو كما يتعلم القرآن، وروي عن عمر بن زيد قال كتب عمر إلى أبي موسى أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية، وروي عن الشافعي انه كان يقول من حفظ القرآن عظمت قيمته، ومن طلب الفقه قبل قدره ومن كتب الحديث قويت حجته ومن نظر في النحو رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصنعه العلم، وهكذا صارت اللغة العربية ترافق الفتوحات الإسلامية في الانتشار في الأقطار حسب توجيه وإرشاد عمر بن الخطاب. فكانت أولا لغة العقيدة والتشريع والآداب والأخلاق الإسلامية وفي عهد بني أمية ترجمت بها الدواوين فأصبحت لغة الإدارة كلها حتى رسخت قواعد الدولة الإسلامية في أقطار الفرس والروم وغيرهم أصبحت لغة القوم العرب لغة الفلسفة والعلوم الرياضية والطب وغير دلك حيث نقلت بها علوم اليونان وغيرهم بواسطة مترجمين بارعين في عصر الدولة العباسية وكانت لهؤلاء التراجمة مذاهب في الترجمة الحرفية والترجمة بالمعنى ثم كتب الفلاسفة الملمون كتبهم وأبحاثهم وتعاليقهم على ما كتبه الفلاسفة الأقدمون باللغة العربية كالفارابي وابن رشد وابن سينا والغزالي والرازي وغيرهم.
وكان المسلمون عموما بما فيهم هؤلاء الفلاسفة معتزين بلغتهم يرونها من أنبل اللغات إن لم يروها أفضلها على الإطلاق، لأنها لغة دين هو خاتمة الأديان السماوية، ولغة كتاب سماوي محفوظ خالد انزله الله مصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه وجامعا لمزاياه وهو كما قال الله: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، وقال في شأنه أنا أنزلناه قرآنا عربيا، وقال بلسان عبري مبين، وقد جعله الله سبحانه عربيا، لان العرب هم المدعوون أولا به، وذلك جريا على عادة الله في إرسال بلسان قومهم، كما قال: وما أنزلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم.
وقد تكلم الحافظ ابن حزم على نشوء اللغات واختار أن أصل الكلام توفيق من الله لأنه لو كان اصطلاحا لما جاز أن يصطلح عليه لا كملت أذهانهم، وتدربت عقولهم، وتمت علومهم، كما قال ومن المعلوم أن هذه الصفات لم تحصل للبشر في أول نشأتهم الأولى، خصوصا على مذهب التطور والارتقاء، وعلى هذا يلزم التصديق بما ورد في القرآن من قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها.
اما حفظ اللغة فالحافظ بن حزم يرى كما يرى غيره من العلماء الدينيين والاجتماعيين والسياسيين انه يكون بقوة الدولة وان اللغة تضمحل أو تضعف بذهابها، فإنه قال: إن اللغة تسقط أكثرها ويبطل بسقوط دوله أهلها ودخول غيرهم في مساكنهم.