يتبع أهل الكتاب توراتهم وإنجيلهم غير مبالين بالقرآن والرسالة المحمدية بل معناها في حقيقة الأمر أن يتبعوا ما جاء في الثورات والإنجيل من الوصايا المتكررة بالا يمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباع رسالته، ولهذا قد قيل في القرآن الكريم صراحة أن الأتباع الصحيح للتوراة والإنجيل الآن هو اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما انزل إليكم من ربكم - المائدة: 68)، (الدين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .... أولئك هم المفلحون - الأعراف: 157).
وما هذا بناء على القرآن لا يعرض إلا نفس الدعوة التي كانت تعرضها التوراة والإنجيل من قبل فحسب، بل لان القرآن هو احدث وآخر نشرة Latest and lost sdition لهذه الدعوة، فقد أضيفت إليه أمور لم تكن في النشرات الماضية وحذف فيه أمور ما بقيت للناس حاجة إليها الآن. فالذي يعرض عن النشرة الأخيرة، فانه لا يرتكب معصية الله فحسب، بل يحرم نفسه، مع هذا، كثير من المنافع التي تشتمل عليها النشرة الأخيرة، ويحتاج إليها العباد في معاشهم ومعادهم (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير - المائدة: 15)، (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم - الأعراب: 157).
وفوق هذا وهذا، فان الإيمان بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم لا غنى عنه لأهل الكتاب ولا لغيرهم، لان أهل الكتاب قد حرفوا الكتب السابقة وأضاعوا بعضها (كأصل الإنجيل المنزل إليهم من الله) ونسوا كثيرا مما فيها، مما لم يعد من الممكن بعده لأحد من الناس أن يتبع موسى وعيسى عليهما السلام أتباعا صيحا دون أتباعه للقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به .... ومن الذين قالوا إنا نصارى أخدنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به - المائدة: 13).
فالظاهر الآن انه إذا لم يكن ولا لأهل الكتاب - الذين قد صرح القرآن بأنهم أوتوا الكتاب من الله - سبيل إلى النجاة إلا أن يتبعوا القرآن ومحمدا صلى الله عليه وسلم، فاني للأمم غيرهم - "لكل قوم هاد" العامة - أن تجد سبيلا إلى النجاة والسعادة بدون اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم؟
اما قول أصحابنا "بان الإسلام لا يحتكر الصدق لنفسه بل هو يصدق أيضا كل ما سواه من الأديان في الأرض، وانه ليس من دعواه أن الناس لن يهتدوا ولن يستحقوا النجاة ما داموا لا يدخلون فيه بتركهم أديانهم التي هم عليها الآن، بل هو يقول بالنسبة لأهل الأرض أجمعين أن عليهم أن يتبعوا بكل جد واهتمام التعاليم الأصلية لأديانهم" فلا شك انه قول يفيض تسامحا في ظاهر الأمر، ولكنك إذا تأملت فيه وجدته بالغا النهاية في السخف واللغو، لأنه كما لا يمكن أن يكون هو الخط المستقيم بين نقطتين إلا واحدا، كذلك لا يمكن أن يكون الطريق المستقيم بين الله والإنسان إلا واحدا. والإسلام إذا كان يقول بالنسبة لنفسه انه هو الصراط المستقيم بين الله والإنسان، فاللازم من هذا انه يحكم بالزيغ والاعوجاج والنقص والخطأ على كل ما سواه من الطرق. فلا يليق برجل عنده مسكة من العقل أن يقول عن طرق انه صراط مستقيم، ثم يقول في الوقت نفسه عن الطرق المختلفة الأخرى أنها أيضا طرق مستقيمة. إذا كان هذا هو التسامح، فانه تسامح كاذب مموه يأباه القرآن بكل جهارة، ويأمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يعلن بقوله "وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون - الإنعام: 53)
إنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس جميعا إلى دينة، فكان واثقا كل الثقاة بكونه على الحق ولم يكن من المذبذبين المترددين ولا متملقا حتى يستعد لمداراة السالكين لمختلف الطرق ومجاملتهم ومجاراتهم.
إذا كان التسامح شيئا محمودا، فان الكذب والمخادعة والتزوير شيء يستحق الازدراء والمقت أكثر مند بدرجات، والذي تحدثه نفسه بان يتظاهر بمثل هذا التسامح، فليقل ما شاء من عند نفسه، ولكن ليس من حقه أن ينسبه إلى القرآن بتقويله ما لم يقله، فإن القرآن - على العكس من ذلك - يقول صراحة وجهارة أن النوع البشري لا سبيل له إلى النجاة والسعادة إلا إتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم وان من اعرض عن أتباعهما، كانت عاقبته ضلالة في الدنيا وخسرانا في الآخرة (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا - الأعراف: 158)، (وأوحى إلى هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ - الأنعام: 19)، وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا - سباك 28)، (يا أيها الناس ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان - البقرة: 208)، (يا أيها الناس قد جائكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم، وان تكفروا فإن الله ما في السماوات والأرض - النساء: 170)، (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون - البقرة: 99)، (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون - البقرة: 121)، (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ... وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون