وقد سجلت الحكومة الجزائرية في غضون الشهر المنصرم، نصرا هاما آخر على صعيد الحرب السيكولوجية فقد نشطت أجهزة الدعاية الاستعمارية أوائل الشهر الماضي في إقناع الرأي العام العالمي بوجود ما راقها ان تدعوه «شقاق خطيرا» في حظيرة الحكومة الجزائرية، ولم تأت هذه الدعاية الاستعمارية بما كان يتوقع لها من مفعول، فإن أساليب الحرب السيكولوجية الفرنسية قد أخذت تفقد بالفعل قدرتها على التضليل، ولهذا فإن «اكتشافات» المراسلين الفرنسيين في الشرق الأوسط، لم تأت بأية نتيجة، سواء داخل الجزائر أو خارجها، وكانت مناسبة فقط، لتأكد الرأي العام العالمي من تفاهة المدعيات الفرنسية، وذلك حينما أعلنت الحكومة الجزائرية في بلاغ رسمي عما أمكن اعتباره نقضا صارخا لهذه المدعيات الخيالية.
*
وبينما تسير حكومة الرئيس فرحات هكذا في طريق مكانتها الدولية وضمانة وحدتها العضوية الكاملة، وبينما تنطلق الثورة أكثر فأكثر صاعقة جبارة لتجتث أصول النظام الشاذ يجثم على الجزائر، ولتقضي على وجوده، تتضاعف أسباب الأزمة العامة التي تأخذ بتلابيب فرنسا، والتي هي نتيجة منطقية لحالة الحرب التي يشنها التوسعيون لحسابهم الخاص.
وتبدو هذه الأزمة في صورتها الاقتصادية أكثر حدة وأعمق تأثيرا، وقد صورت بعض مظاهرها جريدة (التايمس) الأمريكية في تعليق لها على الانتخابات البلدية الأخيرة في فرنسا، فقد أشارت الجريدة النيويوركية إلى أن «الفرنسي المتوسط كان يعيش في السنة الماضية عيشة رغد ورفاهية، لأنه كان لا يستطيع ان يدرك أن قيمة الفرنك حينذاك لم تكن تستند على أساس متين، وان الميزانية توجد دائما في حالة ارتباك، وان الإنتاج المحلي مرتفع التكاليف، ولكن عدم الإدراك هذا لم يكن ليحول دون تفاحش التضخم المالي، وانخفاض الصادرات وتسلل العملات الأجنبية، وأخيرا ... البطالة ... »
على أن كل هذا ليس من شأنه أن يثير الاستغراب، ففرنسا تنفق على المجهود الحربي في الجزائر ثمانمائة مليار من الفرنكات سنويا ..
الوضع العسكري:
لم يعرف الشهر الماضي فتورا في ميادين العراك بمجموع القطر الجزائري، فقد سجلت الأسابيع الأربعة الماضية تطورات عسكرية هامة كان لجيش التحرير الجزائري فيها تأثير فعال وحاسم.
وقد انتزعت الانتصارات العسكرية الوطنية كثيرا من الاعترافات الفرنسية المتتابعة، ولكم يكن ذلك بالطبع، إلا ليبرهن على مدى فعالية الهجمات المظفرة التي تشنها وحدات الجيش الجزائري، ونجاح الخطط الحربية التي تنسق تحركات هذه الوحدات؟ ففي بلاغ حربي صادر عن القيادة الفرنسية بتاريخ 11 مارس أعلن أن بعض كتائب جيش التحرير تمكنت في مدى الفترة المتراوحة بين 2 و8 مارس من قتل 59 من جنود القوات الفرنسية المقاتلة، وذلك بعدما اعترفت بلاغات فرنسية سابقة بكثير من الخسائر الأخرى في الأرواح والبنايات.
ومن جانب آخر فقد راع السلطات العسكرية الفرنسية ما تتوفر عليه التحركات الوطنية من دقة متناهية وما تصيبه من نجاح في مختلف ميادين العمليات، ولهذا فقد عمد الجنرال «شال» إلى انتهاج خطط جديدة في نشاط القوات الفرنسية المقاتلة بعد ما لاحظته من إخفاق مبدأ الاعتماد على التفوق العددي في الجنود والعتاد كما كان الشأن سابقا، وعلى هذا فقد دأبت القيادة الفرنسية- في الأسابيع الأخيرة- على توزيع القوات المحاربة في شكل كتائب صغيرة، حتى تكون أكثر قدرة على حرب العصابات والقيام «بالعمل المستمر» على حد تعبير البلاغ الفرنسي الصادر أوائل الشهر الماضي.
وقد ظنت أركان الحربية الفرنسية، ان هذه الخطة ستكون أكثر فعالية في مقاومة الضغط المتزايد عليها من طرف جيش التحرير في مجموع القطر.
لكن سير العلميات قد برهن على تفاهة هذه الخطة من الوجهة التقنية العسكرية الصرفة، بل إنها أضحت تساعد القوات الوطنية على القيام بنشاطها المعتاد في ظروف أحسن، فقد كانت هذه الخطة الفرنسية في الواقع متلائمة «وإستراتيجية الكمائن» التي تركز حولها في غضون الشهر الماضي، قسط هام من نشاط القوات الوطنية الجزائرية! وقد نجحت قيادة جيش التحرير في أحكام «كمائن» متعددة، كان الكثير منها يسفر في الغالب عن نتائج عسكرية لامعة، ومن ذلك كمين «عين بسام» و «تينيس» حيث تمكن الجنود الجزائريون من قتل 64 من الفرنسيين، طبقا لما اعترف به البلاغ الفرنسي الصادر في العاشر من مارس الماضي.
ومن جانب آخر فقد تركزت هجمات وحدات القوات الوطنية في الأسابيع الأخيرة على الخط المكهرب الذي يمتد على طول الحدود الجزائرية التونسية، وقد تمكن الجيش الجزائري بالفعل من إحداث كثير من الثغرات في الخط، رغم إحجام القيادة الفرنسية من الاعتراف بذلك.