وهذا التشاؤم لا ينحصر في الأوساط الفرنسية، بل يعدوها إلى كثير من المحافل الدولية في أوربا وأمريكا وغيرهما.
وقد عكست جريدة «نيويورك هيرالد تريبون» بعض هذه المخاوف، وذلك حينما أكدت في أوائل الشهر الماضي على العلاقة المتينة الموجودة بين الانتخابات الفرنسية وبين قضية الجزائر ... تلك القضية التي لم يفت الصحيفة الأمريكية الواسعة الانتشار، أن تبرز إخفاق الجنرال دوكول في حلها. ومرد هذا الإخفاق- بالطبع- نوع التفكير الذي يسود عقلية الجنرال في حل المشكلة، وتتجلى بعض جوانب هذه العقلية في عروض (السلام المشرف) واستدعاء أعضاء الحكومة الجزائرية إلى باريز «لتسليم العلم الأبيض» ثم أخيرا نقل الزعيم ابن بلة ورفاقه إلى إحدى القلاع الحصينة بجزيرة «ايكس».
وقد ثم نقل الزعماء الجزائريين «المختطفين» إلى مقرهم الجديد في يوم السبت 7 مارس الماضي، وذلك بعد أن أمضوا في سجن الصحة زهاء ثمانية وعشرين شهرا.
ولم يكن لهذا التعديل البسيط في وضعية «ضيوف ملك المغرب» إلا أن يستقبل ببعض الفتور في الأوساط الوطنية الجزائرية، كما لاحظت ذلك جريدة «لوموند» إلا أنه- مع ذلك- كان أساس لنقل القادة الوطنيين من وضعية المعتقلين العاديين، إلى النظام المخصص عادة لقادة الحرب .. كما لاحظت ذلك نفس الصحيفة.
وقد أثارت هذه البادرة البسيطة ضجة صاخبة في أوساط «الغلاة» بالجزائر ولكنها- ككل المشاغبات التي يصطنعونها بين الفينة والأخرى- ليست إلا مظاهر مفتعلة تندرج ضمن أساليب الحرب السيكولوجية التي تمرسوا عليها كثيرا، فليس هناك- في الواقع- من تباين جوهري في وجهة النظر بين الجنرال دوكول والأوساط الاحتكارية التوسعية بفرنسا و الجزائر، بل إنه يبدو أن الرئيس قد أخذ يجنح إلى اعتناق مبدأ الإدماج الذي تتبناه هذه الأوساط، وذلك بعد ما كان يلوح عليه من فتور نحو الفكرة، وهكذا لم يعد ليده مجال للتحدث عن «الشخصية الجزائرية» التي كان يعني بإبراز إدراكه لها في كثير من أحاديثه السابقة.
وعلى هذا النحو تتضاعف عناصر الغموض السياسي في باريس بعد أن أضحى المجلس الوطني الفرنسي مرتعا لنفوذ المتطرفين اليمنيين من صنف «اتحاد الجمهورية الجديدة» ومن يحالفه من أساطين الرجعية التوسيع الفرنسية. قد تحدث الكاتب التقدمي الكبير «كلود برودي» عن هذا الوضع القاتم، وذلك في مقال له بصحيفة (فرانس اوبسير فاتور) أشار فيه إلى أنه من الضروري أن يتذكر الجميع (أن الظهير الأساسي للجنرال دوكول هو الجيش، وأن الجنرال لا يستطيع الاستقلال عن الإطارات العسكرية التي تسير هذا الجيش، ولهذا فإن السياسة الفرنسية الحقيقية ستبقى طويلا موضوع مساومات دقيقة بين رئيس الدولة وبين العسكريين، ويعني هذا أنها ستحتفظ بصبغتها الحالية وبالتالي فإن المصاعب المختلفة التي تثيرها هذه السياسة ستزداد خطورة وتعقدا ... )
*
وبينما تتعقد الأحوال السياسية في فرنسا وتتلبد سماء النظام العالي فيها بهذه الغيوم القاتمة، تتبلور الشخصية الدولية للحكومة الجزائرية وتتضاعف إمكانياتها السياسية والدبلوماسية على الصعيد الدولي، وقد أجرت الحكومة في غضون الشهر الماضي كثيرا من الاتصالات السياسية الهامة، وكان من أبرزها زيارة الرئيس فرحات عباس برفقة ثلة من الوزراء الجزائريين للمملكة العربية السعودية.
هذا وقد ترددت بعض الأصداء- في أوائل الشهر المنصرم- حول إمكان قيام الرئيس الجزائري برحلة لأقطار منطقة جنوب شرقي آسيا.
ويبدو أن سلسلة الاجتماعات التي كان على الحكومة أن تعقدها خلال الأسابيع الأخيرة، كانت من بين الأسباب التي حالت دون تحقيق هذا المشروع في الوقت الحاضر، ولعل الأسابع القادمة ستمكن الحكومة الجزائرية- ممثلة في الرئيس فرحات- من إجراء مثل هذه الاتصالات الدولية الهامة، إذ ان المفروض أن ذلك يساعد على تركيز مكانة الحكومة الجزائرية وتوسيع الآفاق الدولية التي تتفتح لها باستمرار، فالدول التي يتشكل منها قطاع جنوب آسيا وأواسطها تنتسب في مجموعها إلى دول «باندونغ» وإلى الكتلة الإفريقية الأسيوية، وهي بهذا الاعتبار أدنى ما يمكن أن تكون إلى تفهم عدالة القضية الجزائرية ومشروعيتها، وإذا كان البعض منها لم يعلن إلى الآن عن الاعتراف الشعري بالحكومة الجزائرية، فمأتى ذلك- في بعض الاعتبارات- ترقب الكثيرين لإمكانية جنوح الفرنسيين للسلم، وتقلبهم مبدأ الاعتراف باستقلال الجزائر الناجز، ولا ريب أن اتصالات جزائرية آسيوية من صنف تلك التي يمكن أن يقوم بها الرئيس فرحات، قد تفضي على مفاجآت دبلوماسية هامة، نتيجة لما عسى أن تسفر عنه من اقتناع بعض حكومات الشرق الأقصى، بضرورة الاعتراف العاجل بالحكومة المؤقتة للشعب الجزائري المناضل.