تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد شرعت السلطات العسكرية الفرنسية بالفعل في تجديد الخط وبناء أقسام جديدة فيه، الأمر الذي يبرهن عما أصابه من إتلاف خلال الهجمات الوطنية الأخيرة.

وقد كان من شأن هذا النشاط المتزايد الذي يبديه الجيش الجزائري أن يثير مخاوف السلطات العسكرية الفرنسية، وقد دلت الشواهد على أن هذه المخاوف تتضاعف باستمرار، ومن البيانات على ذلك ما أعلنه وزير الجيوش الفرنسي في خامس مارس الماضي أثناء رحلته في الجزائر، من أن القادة العسكريين الفرنسيين قد أعربوا له عن حاجتهم الملحة إلى المزيد من النجدات، وذلك نظرا لاشتداد الهجمات الوطنية، «وتناقص» عدد الجنود الفرنسيين وازدياد الأعباء التي يقتضيها كل ذلك.

على أن هذا الوضع العسكري الذي يحرج العسكريين الفرنسيين، لا يجوز أن يبقى دائما محدودا بحدود الإمكانيات الحربية الحالية، ان هناك من الإرهاصات ما يوحي بأن آفاقا عسكرية جديدة قد تتفتح في ميادين العراك بالجزائر، وقد المعت الى ذلك جريدة «الا وبسيرفاتور» حيث أشارت في أحد إعدادها الأخيرة إلى إمكانية إقدام الحكومة الجزائرية على توسيع نطاق الحرب واستيراد الأسلحة لهذه الغاية من الصين الشعبية.

فإذا تم ذلك فإن وجه الحرب في الجزائر قد يتغير ليأخذ صورة أخرى شبيهة لما كان عليه الحال في المراحل الأخيرة لحرب الهند الصينية.

وإذا ما وضعنا في الاعتبار إلى جانب كل ذلك ما أشارت إليه بعض الوميات الباريسية، من احتمال تدرب فريق من الشبان الجزائريين على الطيران الحربي في بعض الدول الصديقة، وذلك لحساب الجيش الوطني الجزائري، أمكننا أن ندرك مدى سعة الاحتمالات التي ينطوي عليها الصراع الحالي في الجزائر والمفاجآت التي قد ينبثق عنها الصراع.

ولعل خشية المسؤولين الفرنسيين من مثل هذه الاحتمالات هو الذي حدا بحكومة باريس إلى مطالبة الحلف الأطلسي بتخويلها حق الإشراف على أسطولها العامل في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولعل ذلك أيضا كان من ضمن ما أوحي للمسؤولين الفرنسيين بإيثار صحراء المغرب العربي كمجال لإجراء التجارب الصاروخية والذرية المتتابعة، فهل كان ذلك بدافع الرغبة في التهديد؟ أو كان مجرد تظاهر بالقوة والمنعة؟ أم أنه كان استعدادا لتنفيذ خطط استعمارية شاذة؟

تلك أسئلة قد تجيب عنها الأيام.

أراء أجنبية:

برنار لافيرن: هناك حقيقة واقعية: ذلك أنه إذا انقضى عام 1959 ولم يتم التوصل إلى السلام بالتفاوض مع ممثلي الثورة، فإن الأحوال ستسير في فرنسا لغير صالح الحكومة، فقد كان للتدابير المالية الأخيرة من التأثير، ان أفضت إلى إقناع الفرنسيين بأن حرب الجزائر غدت تكلفهم أعباء باهظة لا تحتمل فالنظام الجبائي يلتهم الآن النصف من مجموع الموارد الوطنية، وذلك بنسبة 35 في المائة مما تصادره الدولة و15 في المائة مما تستولي عليه السلطات العمومية المحلية.

ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تشعر الأمة، بأنه أصبح من غير الممكن أن تتحمل كل هذا الضغط الجبائي العالي، خاصة وانه لا يوجه توجيها يعود بنفع آجل للبلاد.

لقد كانت الجمهورية الرابعة تعاني الكثير من الأدواء عند ما نشبت الحرب في الجزائر، ثم قضت نحبها نتيجة قصورها عن حل هذا المشكل العضال، والجمهورية الخامسة لا يمكن ان تتخلف عن القاعدة ولهذا فإنها ستواجه نفس المصير، وستكون نهايتها أكثر سرعة إذا لم تتوفر لها- لسوء حظها- القدرة علة وضع حد عاجل لهذه الحرب.

إن السلام في الجزائر سوف لا تتوفر أسبابه- سواء أحببنا أم كرهنا- إلا عن طريق المفاوضات بالرغم عن ضيقه وصعوبته.

استمرار أو فناء، تلك هي القضية الأساسية بالنسبة للنظام الحالي في فرنسا، ولكن كل ذلك يرتبط بموضوع واحد: الحرب أو السلم في الجزائر.

موريس ديفرجي: يميل كثير من الأوربيين في الجزائر إلى إيثار الإرهاب كوسيلة مثلى لحل المشكلة الجزائرية، ولكنه يعزب عن أذهانهم أنه سيصبح من غير الجائز إقامة نظام تحكمي في الجزائر (!؟) في نفس الوقت الذي يمكن فيه الحفاظ على سلامة النظام الديمقراطي في فرنسا.

على أن كثيرا من «الغلاة» سوف لا يتورعون عن اللجوء إلى ذلك في حالة ما إذا أحسوا بالحاجة إليه، لكن إذا ما تم ذلك فسيكون معناه أفول نجم فرنسا، وليس هناك ما قد ينتج عن ذلك إلا التحطيم السريع للحظوظ التي تتوفر للأمة الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد كان في وسع السيد «دبري» وهو يلقي خطابه عن انبعاث الوعي القومي، أن يخلص من ذلك إلى التعرض للحقائق (التي من هذا الصنف) والتي لا يمكن إلا أن يكون ملما بها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٥٧