تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمثاني جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر، وهو على خلاف القياس، وقياسه مثنيات، وقد أفادت هذه الآية إطلاق اسم المثاني على ءايات القرآن كلها، وخصت الفاتحة باسم السبع المثاني، لجمعها لمقاصد القرآن، كما سيمت أم القرآن لذلك؛ وتسميتها بالسبع المثاني هو في حديث أبي ابن كعب وأبي سعيد بن المعلى: هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت.

قلنا أن القرآن تفصيل آيات ثم تثنيتها من غير التزام تواطئ فواصلها على حرف واحد يجذبها إلى طريق السجع، ولكن تلك الفواصل قد تتواطأ على حرف واحد وقد لا، وتعلمون ذلك من الكلام على تنويع الأسلوب.

أسلوب القرآن يتنوع إلى نوعين: الأول التنويع اللفظي، والثاني التنويع البياني.

التنويع اللفظي: هو ما كان في الفواصل وهي أواخر الآي، وقد يكون باتفاق السورة في كل الفواصل المقفاة، كسورة القمر، وسورة الشمس، وسورة الأعلى، وسورة القدر، وسورة الإخلاص، وسورة الناس. وقد يوجد في بعض الفواصل لزوم ما لا يلزم- وهو التزام أن يكون ما قبل القافية حرفا معينا، وهنا اتحاد ما قبل الحرف الذي تتواطأ عليه الفواصل- نحو سدر مخضود وطلح منضود ونحو إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق.

ويكون التنويع باتفاق السورة في أكثر الفواصل كما في سورة الضحى، وبورود فواصلها على أنواع من التقفية كما في سورة ألم نشرح، والعاديات.

ومن تنويع الأسلوب ختم السورة ذات الفواصل المقفاة بفاصلة على غير قافيتها كما في سورة الرحمن: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، وفي سورة الضحى المتفقة في أكثر الفواصل: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، وذلك لتنشيط السامع وإرهاف فكره.

ومن تنويع الأسلوب حفظ الفاصلة المقفاة التي تبنى عليها السورة، وان تخللتها فواصل مختلفة، وهي نوع غريب من التنسيق يحكيه الفن المسمى بالتوشيح، وتجدون هذا في سورة الرحمن، فإن فواصلها انبنت على النون وقد توجد فيها ءايات مبنية على غيرها، كالراء في قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ... كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) وكما في سورة ص فقد بنى كثير من الفواصل فيها على الباء وأن تخللتها فواصل مقفاة بغيرها، وهكذا إلى قرب ختمها، لدى قوله: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) فقد قفيت فيه الفواصل بغيرها، كل ذلك للتنويع في الأسلوب لما يحدث من التطرية وتنشيط السامع.

التنويع البياني: وهو تنويع التعبير وصوغ المعاني في قوالب مختلفة للإيذان بالتمكن في عقر البلاغة والإغراق في باب الإعجاز، ونكتته الجري على ما عرف عن العرب من تصريف المعنى الواحد على أساليب متعددة. وتقليبه على وجوه متنوعة من التعبير، فجاء هذا التنويع في القرآن لإصابة هذا المعنى، بتعجيزهم من جميع وجوه تصرفهم في الكلام مع ما يحمل في كل نوع من التعبير من الإعجاز.

وأن الذكر الحكيم لطافح بهذا التنويع، قاذف بجواهره في كل ساحل. وإليكم قبسا منه.

قال في حديث أهل الجنة ونعيمهم: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)، و (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)

وفي سفينة نوح عليه السلام: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ). نوع التعبير في كل الموضعين لمراعاة الفواصل.

وفي حال الناس عند قيام الساعة: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ).

وفي حالهم عند البعث (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)، (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)، (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ)، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)، (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ).

وفي القسم على تلقي القرآن من لدن حكيم عليم بواسطة الملك جبريل، وقد روعي فيه أيضا التنويع، القسم بالنجوم وهو من مدهشات التنويع:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢١٣