دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص19
إعجاز القرآن
للمرحوم العلامة: محمد السايح
إعجازه بأسلوبه:
القرآن اختص بأسلوب غريب، ونظم مدهش عجيب، انفرد فيه بمقام لا تبلغه القوى البشرية، وبمستوى لا يظهر عليه بمعارج، بل تحار فيه الألباب وتتقطع دونه الأسباب، مما يقضي بأنه ليس بوضع بشري، وانما هو أثر من الآثار الإلاهية، يشاركها في العجز عنه، وإن كانت مادته الحروف كالخلق العجيب الذي مادته التراب. ولهذه النكتة الدقيقة والجوهرة العميقة، صدرت تسع وعشرون سورة منه، عدد حروف المعجم، بشطر الحروف الهجائية حروفا مقطعة، كأنه للتنبيه على المادة التي وقع منها الصوغ، كتنبيه المخلوق العاجز على التراب الذي منه مادة الخلق تبكيتا وتعجيزا: وكأنه بتعديد تلك الحروف الموزعة على أوائل تلك السور يقول للبلغاء المصاقع والخطباء الله: إن القرآن الذي تحداكم به عبدنا مركب من حروف لغتكم ومن مواد تجري بين أنفاسكم وتدور في تحاوركم فما بالكم عجزتم عن الإتيان بسورة مثله أو من مثله؟
هذا وأن هذا الإعجاز إنما يدركه بالتحقق، العربي الصميم، أو من مهر في أسرار اللسان ورمد عليه لسانه، وبعبارة، أن هذا الإعجاز إنما يلج في قرارة ذي اللسان أو المضطلع بأسراره، كما لا يدرك أسرار الصناعات الدقيقة كالوشي والتطريز، إلا الفنان ذو البصارة والحذق فيها.
وإني لمقف على آثار الكلام ببعض الشرح والبيان لأنارة سبيل الاهتداء في الجملة إلى ذلك الأسلوب الذي وصفنا.
أن أسلوب القرآن ليس جاريا على الفنين الذين يصاغ فيهما اللسان العربي، وهما: الشعر والنثر، كما أنه وإن كان في عديد النثر لم يجر على طرائق النثر وأنواعه، وذلك أن النثر إما أن يرسله المتكلم إرسالا ويطلق فقراته إطلاقا، واما أن يراعي تقسيم أجزائه وتواطؤ جمله على حرف واحد تقفى عليه فواصله، وهو المعبر عنه بالسجع. وأن أسلوب القرآن فوق ذلك وبمكان فضل عليه. وإذن فما أسلوبه؟
أسلوبه كما قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) وكما قال سبحانه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) فهو تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم تثني وتعاد مراعى فيها ما روعي في الأولى، ثم الثانية كذلك على غرارها وهكذا دواليك، وبالمثال يتضح المقال؛ اقرأ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فإن الذوق يشهد بانتهاء المعنى عند كل فاصلة من فواصل هذه الآيات، وهكذا كان يراها ويدركها من أنزلت عليه (ص).
أخرج الترمذي عن أم سلمة (رض): كان النبي (ص) يقطع قراءته يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم، ثم يقف، وكان يقرأ ملك يوم الدين، أي بحذف الألف وهي قراءة الجمهور وقرأ عاصم وعلي بالألف.
ومن حديث أبي هريرة في الموطأ: يقول العبد الحمد لله رب العالمين. يقول الله تعالى: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم: يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي، يقول العبد: ملك يوم الدين يقول الله تبارك وتعالى: مجدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل.