شدة بأسه، ويسعى في جد لتوحيد صفوفه وأقطاره، وحدة تكون قوة وعدة، وتنفع أهلها في كل رخاء وشدة، فإن امتنا في طور التطور والانقلاب والتجديد لابد للمخلصين فيها من تحديد مثل أعلا لها في الحياة تلتف حوله الأفكار، وتسعى إليه الأمة في جميع الأطوار ولا نرى مثالا يحقق للأمة جميع أمانيها غير التمسك بالقرآن وشريعته، في العقيدة والاجتماع، والمعاملات والجنايات، والسعي الجدي لتزويد الأمة في الميدان العلمي والاقتصادي والصناعي والعسكري بأحدث ما جد في العالم من الوسائل لهذه الغايات، إذ كل ازدهار في أي ميدان من هذه الميادين قوة للأمة تتوقف حياتها واستقلالها ومكانتها في الوجود عليه، وقد قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. فجعل الأمر بالإعداد منوطا بالاستطاعة البشرية، فعم ذلك كل وسائل القوة الممكنة.
ويعجبني في هذا المعنى ما سجله الدكتور الاجتماعي الفرنسي غوسطاف لبون في كتابه سر تطور الأمم في فصل تأثير المعتقدات الدينية في تطور المدنية حيث يقول. وإذا رجعنا إلى الجهة السياسية علمنا أيضا كيف كان تأثير المعتقدات شديدا والسبب في قوة الدين العظيمة كونه العامل الوحيد الذي تتوحد به وقتا ما منافع الأمة ومشاعرها وأفكارها، فيقوم المبدأ الديني بذلك دفعة واحدة مقام غيره من العناصر التي يتكون منها روح الأمة والتي لا تنتج هذه النتيجة إلا إذا ربت وتم نضجها بالوراثة، نعم لا يتغير مزاج الأمة العقلي بمجرد استيلاء دين على قلبها، غير أن جميع القوى تتجه نحو غاية واحدة هي الانتصار للمعتقد الجديد، وفي ذلك سر قوتها العظمى، لذلك نجد أن قيام الأمم بعظم الأعمال كان في عصر هذا التطور الوقتي اعني عصر تدينها وتأسيس اكبر الممالك التي أدهشت العالم كان في عصر تدينها، كذا أتحدث بعض قبائل العرب بفكرة محمد، فاستطاعت قهر أمم كانت لا تعرف منهم حتى الأسماء، وشادوا تلك الدولة الكبرى.
ونحن نعتقد أن الدين فيه صلاح وأن أنعام الله على الإنسانية بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، عاد عليها بأعظم الفوائد، وهيا لها في الوجود أعظم المقاصد وأن ذلك كله كان نتيجة لتحقيق الوعد الالهي لها على ما اقتضته حكمته ومشيئته، كما قال سبحانه: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فعلينا ان نجدد الإيمان في نفوسنا. فإن حياتنا الفاضلة في التمسك بالشريعة الكاملة، استجابة لأمره تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. فإلى الاتحاد والقوة والحياة الفاضلة أيها المسلمون. وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.