تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ تَحْصِيلَ مُخْتَصَرٍ فِي كُلِّ فَنٍّ، حَتَّى إِذَا اسْتَكْمَلَ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، نَظَرَ إِلَى مَا وَافَقَ طَبْعَهُ مِنْهَا، وَآنَسَ مِنْ نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَيْهِ، فَتَبَحَّرَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فَنًّا وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ.

أَمَّا بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي كُلِّ فَنٍّ، وَالتَّحَقُّقُ بِمَلَكَتِهِ، فَإِنَّمَا يُهَيَّأُ لَهُ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ. ثُمَّ يَنْظُرُ الْمُتَعَلِّمُ فِيمَا يُمَكِّنُهُ مِنْ تَحْصِيلِهَا إِفْرَادًا لِلْفُنُونِ وَمُخْتَصَرَاتِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، أَوْ جَمْعًا لَهَا، وَالْإِفْرَادُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِعُمُومِ الطَّلَبَةِ.

وَمِنْ طَيَّارِ شِعْرِ الشَّنَاقِطَةِ قَوْلُ أَحَدِهِمْ:

وَإِنْ تُرِدْ تَحْصِيلَ فَنٍّ تُمِّمَهْ ... وَعَنْ سِوَاهُ قَبْلَ الْانْتِهَاءِ مَهْ

وَفِي تَرَادُفِ الْعُلُومِ الْمَنْعُ جَا ... إِنْ تَوَأَمَانِ اسْتَبَقَا لَنْ يَخْرُجَا

وَمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَى الْجَمْعِ جَمَعَ، وَكَانَتْ حَالُهُ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْعُمُومِ.

وَمِنْ نَوَاقِضِ هَذَا الْمَعْقِدِ الْمُشَاهَدَةِ: الْإِحْجَامُ عَنْ تَنَوُّعِ الْعُلُومِ، وَالِاسْتِخْفَافُ بِبَعْضِ الْمَعَارِفِ، وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يَنْفَعُ، مَعَ الْوَلَعِ بِالْغَرَائِبِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: «شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ الظَّاهِرُ الَّذِي رَوَاهُ النَّاسُ».

تعظيم العلم · الصفحة ٢٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تعظيم العلمص ٢٥