وفي قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] ذكر هنا الحلق، لاشتماله ضمناً على التقصير، وقد يقال: إن الحلق هو أعم من التقصير، فكل محلق مقصر، وليس كل مقصر محلق، ولهذا ذكر الله عز وجل الحلق؛ لأن الإنسان إذا أزال شيئاً من شعره فهو في حكم المحلق، وكذلك أيضاً في قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] إشارة إلى أن الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن من تمام نسكه هو الحلق فهو مقدم على التقصير، وذلك أن الله عز وجل قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فذكر الله عز وجل وجوه التمام في هذه الآية، ومن وجوه هذا التمام هنا أن يقدم الإنسان الحلق على التقصير.
تخصيص شعر الرأس بالذكر دون شعر غيره من الجسد
وقوله: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] أشار هنا إلى مسألة الرأس، فهل بقية شعر الإنسان من محظورات الإحرام أم لا؟ ولماذا قيد الحلق بالرأس؟ فنقول: إن الأصل فيما يتناوله الإنسان من شعره هو شعر رأسه، ولم يكن معهوداً عند العرب أن يتناولوا شعر اللحى بحلق لا عند المؤمنين، ولا عند المشركين، وعلى هذا نقول: إن النص إنما تعلق بالأغلب، وما يذهب إليه أهل الظاهر من أن مس الشعر في غير شعر الرأس أن ذلك ليس من محظورات الإحرام، وذلك كشعر اليد أو شعر الساق، أو شعر جسد الإنسان، أو نحو ذلك قالوا: إن ذلك ليس من محظورات الإحرام، فنقول: هذا مردود؛ لأن الأمر إنما يتعلق بالأغلب. بل قالوا أيضاً: إن الأظفار ليست من محظورات الإحرام باعتبار عدم وجود نص في ذلك، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أم سلمة في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أراد منكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره)، وجاء في رواية: (ولا ظفره شيئاً) ما يدل على أن الأمر في ذلك عام.