تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقول: إن من أقوى حججه على أن الإنكليز يريدون خداع مصر وإرضائها

باستقلال صوري حظها منه دون حظ سائر مستعمراتها المستقلة - تعظيمهم لشأن

حادثة الإسكندرية التي يمكن حدوث مثلها في كل بلد من البلاد يوجد فيه أجناس

مختلفون، أو إحداثه ببذل قليل من المال، فقد هيجوا جاليات الأجانب والدول

الأوربية بها على المصريين وخوفوهم منهم على أرواحهم وأموالهم، إذا لم تكن

الجيوش البريطانية بمدافعها وطياراتها حامية لهم، واتخذتها برقياتهم وجرائدهم

(إياها) حجة بالغة على أن المصريين غير أهل للاستقلال بالإدارة والحكم.

حادثة الإسكندرية - وما أدراك ما حادثة الإسكندرية - هي الحادثة التافهة التي

عظم شأنها غلاة الاستعمار بكيدهم وعبثهم بالأمم والدول، ولعبهم بها كلعب

الصبيان بالكرة، حتى جعلوها من أعظم حوادث الكون التي يقضي العدل بأن تكون

القاضية على حرية الأمة المصرية بأسرها - وهي أن بعض السوقة والعوام مروا

في مظاهرة وطنية ببعض بيوت الروم (اليونانيين) وكانوا يهتفون لمصطفى باشا

كمال بعاطفة الوجدان الديني الذي لا يدع عددا من جريدة إسلامية في تونس خاليا

من الإشادة بذكره، والتعظيم لأمره، فأطلق عليهم الرصاص بعض اليونانيين

فأصاب بعضهم وجر ذلك إلى تشاجر بين الوطنيين واليونانيين ومن يشتبه بهم من

الغربيين قتل به أفراد من الفريقين وجرح آخرون، والمصابون من الوطنيين أكثر،

وقد استنكر ذلك وأظهر الأسف لوقوعه جميع المصريين من جميع البلاد في جميع

الجرائد، وأصدر الزعيم الأكبر سعد باشا زغلول وصية للأمة بأن تبالغ في مجاملة

الأجانب وحسن معاملتهم، ولا تعتدي عليهم وإن هم اعتدوا عليها.

لكن السياسة التي تستحل كل منكر في سبيل مطامعها جعلت هذه الحادثة

برهانا قاطعا على بغض جميع المصريين الذين استنكروها وقبحوها لجميع الأجانب

وتعصبهم عليهم وتربصهم بهم الدوائر ليفتكوا بهم، ولو كان المصريون متعصبين

على الأجانب وماقتين لهم، لظهر أثر ذلك في كل بلد فيه أجانب ليس لهم من القوة

عشر ما للأجانب في الإسكندرية التي تكاد تكون بلدا أجنبية، ولا سيما في أثناء

ثورة سنة 1919 على الإنكليز أنفسهم، والهجوم على رشاشاتهم ومدافعهم، وقد

كانت السلطة في كثير من البلاد لعامة الأمة في تلك الأثناء لا للحكومة الوطنية ولا

للمحتلين، ولو كان المصريون كذلك لما نال اليونان في بلادهم هذه الثروة الواسعة

التي ليس لهم مثلها في بلادهم، ولقد كانوا قبل الاحتلال مع سائر الأجانب أعظم

كسبا وأقوى نفوذا، ولو كان المصريون كما ذكر لأمكنهم أن يبلغوا من النكاية

باليونان بمقاطعة تجارتهم وزراعتهم ما لا يبلغه الاعتداء على أشخاصهم.

فحق لكل مصري أن يعد سلوك الإنكليز في تكبير هذه الحادثة دليلا على

نيتهم فيهم، وهم يعلمون أنه إذا كان الاستقلال يتوقف في وجوده أو بقائه على

استحالة وقوع مثل هذه الحادثة فلا مطمع فيه؛ لأن هذا مما يمكن حدوثه وإحداثه

في كل آن، ومن غرائب تهافت هؤلاء البارعين في تصوير الحوادث بغير

صورها والاستفادة منها في كل زمن بحسبه أن حادثة الإسكندرية كانت في الزمن

الذي تروي لنا برقيات الإنكليز وجرائدها أنباء الأرلنديين (السين فين) أخدان

المصريين في رفض العبودية البريطانية في تدميرهم للمباني التجارية وغيرها

واغتيالهم لمن استطاعوا اغتياله من السالبين لحريتهم، ولم نسمع أن أحدا منهم

احتج بهذه الأفاعيل الفظيعة بمثل ما احتجوا على المصريين في حادثة تعد بالنسبة

إليها ضئيلة، ويكثر وقوع مثلها في كل أمة، ولكن عارض هذا التهويل في الحادثة

كثير من عقلاء اليونان وغيرهم من فضلاء الأوربيين وشهدوا حقا بتسامح

المصريين وإكرامهم للأجانب وحسن معاشرتهم لهم، ولو سكت هؤلاء أو جروا في

أباطيل تيار السياسة الكاذبة لغرسوا في قلوب المصريين وسائر الشرقيين من بغض

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٣٨