الخطر عن بريطانية العظمى وأحلافها، وشعرت بأن أزمة سياسة العالم صارت في
قبضة يديها، قلبت لمصر ظهر المجن وشرعت تمهد السبيل لضمها إلى أملاكها،
والإجهاز على لغتها العربية التي طالت محاربتهم لها واستبدال اللغة الإنكليزية بها،
وجعل السلطان الغالب في هيئتي حكومتها التشريعية والتنفيذية للإنكليز وغيرهم
من الأوربيين، والقبض على ناصية الثروة والمواصلات التي هي شرايين الحياة
الإدارية والمالية في الأمة، وقد ظهرت مبادئ هذه المقاصد في عمل اللجنة التي
ألفت لوضع نظام لإلغاء الامتيازات الأجنبية، وحصر النفوذ الأجنبي في
البريطانيين، وقد كان عدلي باشا عضوا فيها، فلما رأت ذلك وزارة رشدي ظهر
لها أن هلاك مصر بالاستعباد للإنكليز واقع على يديها، فكبر عليها الأمر، وسدت
في وجهها منافذ الحيل، حتى ظهرت مبادئ النهضة الوطنية الجديدة على يد سعد
باشا زغلول ورجاله.
تأليف سعد الوفد
ومساعدة رشدي وعدلي
(8) إن خبر تأليف سعد باشا للجنة وطنية تسعى لاستقلال مصر باسم الوفد
المصري معروف، ومشايعة وزارة رشدي باشا له غير مجهولة، وقد كانت قيمة
مساعدتها حتى السلبية ثمينة، وأعني بالسلبية عدم مقاومته عند أخذ وثائق التوكيل
من ممثلي الأمة للوفد بطلب الاستقلال التام، وقد حاول مستشار الداخلية الإنكليزي
منع هذه الوثائق، فلما لم يستطع استخدام الوزارة فيه كان عمله أبتر ناقصا، فكان
هذا من أظهر الشواهد على عجز الإنكليز عن التصرف في الأمة بأنفسهم، فهم لم
يعملوا شيئا ضارا ولا نافعا إلا بأيدي المصريين، ولم تكن مساعدة الوزارة لسعد
باشا عن تواطؤ وتعاهد على السعي معه إلى الاستقلال التام الذي التزمه؛ إذ لم تكن
ترجو هذا، وإنما رأت أن قيامه بهذا الأمر يكون وسيلة لها إلى أحد الأمرين: إما
الحصول على استقلال إداري واسع مع الارتباط بالإمبراطورية بالحماية أو السيادة
على ما كانت وعدت به عند إعلان الحماية، وإما إثبات وطنية أفرادها لتعلم الأمة
أن موافقتها للدولة البريطانية على إعلان الحماية ومساعدتها إياها على استخدام
قوى الحكومة والأمة في الحرب كان عن اجتهاد في خدمة البلاد يغفر لها خطأها فيه
حسن النية والتكفير عنه بمساعدة الأمة على طلب الاستقلال.
الاستعداد للاستقلال
وأسبابه
(9) إن استعداد الأمم للانقلابات الاجتماعية التي يظهر بها انتقالها من
طور إلى طور، إنما يتم بأعمال شتى في أزمنة مختلفة تكون كالمقدمات للنتيجة، فلا
يعلم عند النظر في كل منها منفردا ما سيفضي إليه أو ما سيترتب عليه عند اتصاله
بغيره على وجه مخصوص، وإن رجال الاستعمار من الإفرنج يراقبون الشعوب
التي يسودونها ليحولوا بينها وبين الأعمال التي تجتمع بها كلمتها، فتكون أمة
مستقلة بالاستعداد بالقوة، الذي لابد أن يتبعه الاستقلال بالفعل، فيصرفونها عن
هذه الأعمال ويشغلونها بضدها بقدر علمهم واجتهادهم، وقد يخونهم العلم فيعملون
بأنفسهم لإعداد الأمة للاستقلال ما لا تستطيع عمله أو ما لا يأتي منها وهم لا
يشعرون، فلم يكن لورد كرومر (وقد كان أوسع إنكليز مصر علما وخبرا وحزما)
يعلم بأن إباحته للمصريين حرية الانتقاد على حكومتهم وأعظم رجالها سيكون سببا
من أسباب جمع كلمتها إذ كانت الحكومات هي السالبة لاستعداد الشعب بمصر،
والحائلة دون جعله أمة، وإنما كان منتهى اجتهاده في ذلك أن سقوط هيبة الحكومة
الوطنية وزوال سلطانها يجعل المصريين خاضعين للإنكليز خانعين لهيبتهم وحدهم،
وهم الذين لا يطمع أحد في إضعاف سلطانهم، ولم تكن السلطة العسكرية
البريطانية تعلم أن ذلك التصرف في أموال الفلاحين وسائر الطبقات الواطئة وفي
أنفسهم، يولد عندهم من العلم بضرر السلطة الأجنبية والشعور بكراهتها وعداوتها ما
تشارك به أعلى الطبقات علما وأشدهم شعورا فتجعل الأمة كتلة واحدة وكلمة واحدة،