وانقضت جيوش المسلمين على جيوشهم انقضاض العقاب على عقيرته ووثبت عليهم وثوب الاسد على فريسته وقصدنا برايتنا السعيدة المنصورة في سائر المشاهد المشهودة في جيوش لمتونة نحو الفنش (الاذفونش) فلما ابصر النصارى رايتنا المشتهرة ونظروا الى مراكبنا المنتظمة المظفرة وغشيتهم بروق الصباح واظلتهم سحائب الرماح وزلزلت حوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح التحم النصارى بطاغيتهم الفنش وحملوا على المسلمين حملة منكرة فتلقاهم المرابطون بنية صادقة خالصة وهمم عالية فعصفت ريح الحرب ووكفت ديم السيوف والرماح بالطعن والضرب وطاحت المهج واقبل سيل الدماء في هوج ونزل من سماء الله على اوليائه النصر العزيز والفرج وولى الفنش مطعوناً في احدى ركبتيه طعنة افقدته احدى سلقيه في خمسمائة فارس من مائة وثمانين الف فارس ومائتي الف راجل قادهم الى المصارع والحتف العاجل وتخلص لعنه الله الى جبل هنالك ونظر شزراً لم يجد عنها صبراً ولا يستطيع عنها دفاعاً ولا لها نصراً فأخذ يدعو بالثبور والويل ويرجو النجاة في ظلام الليل وامير المسلمين بحمد الله قد ثبت ف وسط مراكبه المظفرة تحت ظلال بنوده المنتشرة منصور الجهاد مرفوع الاعداد يشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السؤدد وقد سرح الغارات في محلاتهم تهدم بنائها وتستلم ذخائرها واسبابها وتريه رأي العين دمارها ونهايتها والفنش ينظر اليها نظر المغشي عليه ويعض غيظاً وأسفاً على انامل كفيه وحين تمت الهزيمة وتتابع الفرار عاد روساء الاندلس المنهزمون نحو بطليوس والغار وتراجعوا حذراً من العار ولم يثبت منهم غير زعيم الرؤساء والقواد ابو القاسم معتمد بن عباد فأتى الى امير المسلمين وهو مهيض الجناح مريض عناء وجراح فهنأه بالفتح الجميل والصنع الجليل وتسلل الفنش تحت الظلام فاراً لا يهدأ ولا ينام ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق اربعمائة فلم يدخل طليطلة الا في مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيراً وكانت هذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة يوم الجمعة الحادي عشر لرجب سنة تسع وسبعين واربعمائة موفق الثالث والعشرين لشهر اكتوبر العجمي" (1).
نصر المسلمين
انتصر المسلمون على اعدائهم الافرنج النصارى في هذه الموقعة والتي عرفت بموقعة الزلاقة، ورجع امير المسلمين يوسف بن تاشفين واصحابه من ذلك المشهد منصورين مفتوحاً لهم وبهم فسر بهم اهل الاندلس واظهروا التيمن بامير المسلمين والتبرك به وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر
(1) () ابن ابي زرع، روض القرطاس، ص/150 - 151.