استنفر الاذفونش النصارى لهذه المعركة الحاسمة ورفع القساوسة والرهبان صلبانهم ونشروا اناجيلهم واستنهضوا الهمم وحشدوا من الفرسان والمقاتلين ما لا يحصى عدده، واتخذ ملك الافرنج الصليب شعاراً له لاول مرة، فلم يثبت تاريخياً ان احد القادة النصارى ارتدى الصليب قبله واتخذه شعاراً له وبذلك أخذ البعد الديني مداه وتجمعت الجيوش النصرانية حول الصليب وبذلك كانت هذه الحرب صليبية بامتياز ولم نبالغ اذا قلنا انها زرعت الجذور الاولى للحروب الصليبية التي بدأت في الشرق الاسلامي.
رؤيا الاذفونش
قبل خروج الاذفونش الى هذا اللقاء رأى رؤيا قبل موقعة الزلاقة بشهر وذلك انه رأى في النوم في بعض الليالي كأنه راكب على فيل والى جانبه طبل معلق وهو يضربه فأستيقظ فزعاً مذعوراً فلما اصبح بعث الى الاساقفة من النصارى واحبار اليهود وقال لهم: اني رأيت رؤيا افزعتني وذكر لهم نصها وقال لهم: ما هالني ولا افزعني الا ان الفيل ليس في بلادنا ولا هو بقربها ولا عايناه قبل فمن اين لنا به ثم ان الطبل ما هو من شكلنا ولا من زينا فمن اين لنا به؟ فانظروا في تأويل هذه الرؤيا وفسروها لي، فقد افزعتني ما عاينت منها فقال له القسيسون والاحبار: ايها الملك تدل رؤياك على انك تهزم جميع المسلمين وتغنم اموالهم وتسبي محلتهم وتأخذ بلادهم وترجع الى وطنك عزيزاً مظفراً واما الفيل الذي تركبه فهذا هو الملك القادم صاحب البر الكبير المشترط لقاءك تركبه برغم انفه وتذلله فمثل لك بالفيل لعظمه ولكون الفيل من الصحراء وهذا من الصحراء ـ يعنون امير المسلمين يوسف بن تاشفين ـ مُثل لك به، فقال لهم: نفسي تحدثني وهي صادقة انكم في تفسيركم لمنامي على باطل وما تعرفون شيئاً ثم رد رأسه الى جماعة المسلمين ممن حضر مجلسه من بقايا الساكنين ببلاده فقال لهم: اتعلمون هنا احداً من علماء المسلمين؟ فقالوا له: نعم هنا رجل من فضلاء المسلمين وعلمائهم ويعرف بمحمد بن عيسى المغامي (1) يقرئ في مسجده كثيراً من فقهاء المسلمين فقال لبعض منهم: انطلقوا اليه واتوني به فانطلقوا وقالوا له ان الملك يدعوك فقال: وما
(1) () هو العالم الفقيه المقرئ محمد بن عيسى بن فرج التجيبي المغامي الطليطلي، وكان عالماً بالقراءات ووجوهها ضابطاً لها متقناً لمعانيها اماماً ذا فضل ودين صاحب أبي عمرو الداني كان احد الحذاق بالقراءات اخذعن الداني، توفي باشبيلية في نصف ذي القعدة سنة خمس وثمانين واربعمائة ترجم له ابن بشكوال في الصلة رقم 1225، ومغام حصن بثغر طليطلة.