تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقولي لها: إنك اتساق بين الجمال والحب، فحين تهدى زجاجة العطر من محب إلى حبيبته فإنما هو يهدي إليها الوسيلة التي تخلق حول جسمها الجميل الفاتن جو قلبه العاشق المفتون، ولو تجسم هذا المعنى حينئذ فتمثل فنظره ناظر، لرآها هي محاطة بشخص أثيري ذائب من الهوى واللوعة يفور حولها في الجو ويسطع

3

ولذلك يا زجاجة العطر أرسلتك ... •••

أيها العطر! كانت أزهارك فكرة من فن الحسن توثبت وطافت زمنا على مظاهر الكون الجميلة، كي تعود آخرا فتكون من فن الحب، وفي ذلك مازجت الماء العذب، ولامست أضواء القمر والنجوم، وخالطت أشعة الشمس، واغتسلت بمائة فجر منذ غرسها إلى إزهارها؛ لتصلح بعد ذلك أن يمس عطرها جسم الحبيبة، ويكون رسالة حبي إليها!

أيها العطر! لقد خرجت من أزهار جميلة، وستعلم حين تسكبك هي على جسمها الفاتن أنك رجعت إلى أجمل من أزهارك، وأنك، كالمؤمنين تركوا الدنيا، ولكنهم نالوا الجنة ونعيمها ...!

| ما نفع رقة روحي؟

يا من لنضو طريح

مجمع من حطام

1

بقية من سلو

على بقايا غرام

وقطعة من جفاء

في قطعة من سلام

أضيء كالنجم لكن

في وحدة وظلام

وما أكابد نارا

يروه نورا أمامي •••

ما نفع رقة روحي

تندى كطل الغمام

وكل ما هو حولي

كحلق عطشان ظامى؟ •••

يا واصلا بالمعاني

وهاجري في الكلام

مخاصمي في نهاري

مصالحي في منامي

من العبوس كلام

معناه معنى ابتسام

ولن يغير جسم ال

وداد ثوب الخصام •••

ما نفع رقة روحي

تندى كطل الغمام

وكل ما هو حولي

كحلق عطشان ظامي؟

| رسم الحبيبة

«ولما أهدت إليه رسمها كتب إليها»:

كنت ساعة أجلس للكتابة إليك، أراني كالمصور، غير أني أنقل من عالم في داخلي؛ أما الآن ورسمك يملأ عيني، فقد أضيف إلى عالمي المضطرب بأخيلته الكثيرة عالم من الجمال الصافي، هو فوق ذلك كالسماء فوق الأرض: تحييها بالشمس والقمر، وهو من وراء ذلك كالآخرة وراء الدنيا: تطعمها بالجنة والخلد.

ولكدت والله يا حبيبتي أتخيل هذا الرق

1

الموضوع أمامي يبرق بصورتك ويشرق بوجهك - نافذة سحرية فتحت بيني وبين عالم الجمال الأزلي فأطل فيها وجه حوراء من حور الجنة ينظر إلي وأنظر إليه، يحمله جسم خلق ليكون فتنة للجنة ذاتها، وكأنه بجماله ومعانيه حقائق ذلك النعيم جاءت تترجم لذة الخلود للنفس البشرية في بلاغة مصورة اختاروا لها رسمك أنت.

وهل في الحسن أحسن من هذا الوجه الذي يرف على القلب بأندائه ويتلألأ بنضرته، حتى لكأنه خلق من نور الفجر، وكأن علامة الفجر فيه إنما هي هذا الروح الذي يحيط القلب من وجهك بمعان كنسمات الصبح، عليلة من شدة الرقة، ذابلة من فرط الجمال، مملوءة من روح الندى بما يجعلها حول النفس كأنها جو من شعور حي فرح لا نسمات في الجو.

وجه منضر يفزع لروعة حسنه من يراه، كأن شيئا بدعا لم يكن ممكنا فأمكن! أو كأن في حمرة خديه وشفتيه خمر القلب رؤيتها شربها، وفيها السكر بالجمال والنشوة بالهوى، فما هو إلا أن ينظر وجهك الناظر حتى يخالط قلبه.

وعلى ما رأيت هذا الوجه الفاتن، فما رأيته من مرة إلا حسبتها أول مرة، وكانت معه لنفسي جمحاتها الأولى، كأن الحب الذي بدأ في أول نظراتي إليه يبدأ في كل نظرة إليه بدءا جديدا؛ وأرى أجمل الوجوه يخاطب في حاسة الإعجاب، ولا يعدو هذه العاطفة، وأرى وجهك أنت يبلغ مني القصوى، ويأخذ بقلبي كله، ويستولي على جملة ما في إنسانيتي.

وإني لألمح فيه سرا عجيبا يكون فقدان العبارة عنده هو أبلغ العبارة في وصفه؛ إذ لا تتكلم روعة الحس بالجمال ، وهي تنزل في صور الألفاظ، وإنما تغمز على القلب غمزة خافتة تشعر الناظر أن روح المنظر خامرت الروح، وأن حياة الشكل انسكبت في الحياة، وأن المعنى الغامض في السر اتصل بالمعنى الغامض في النفس.

ويمثل هذا السر الذي يطالعني من جمال وجهك أصبح الجمال على الحقيقة هو علم أفراح النفس وأحزانها، وعاد الشخص الجميل المعشوق، وما هو بكل معانيه إلا الفن الفلسفي الكامل أتيح لنفس أخرى تحاول بالحب أن تكون كاملة.

أوراق الورد · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٩