تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هذا السر يظل وجه الحبيب جديدا على كل نظرة من محبه، وإن طال ترداد النظر وتكراره، كأن الوقت لا يمضي معه كما يمضي مع الأشياء، وكأن الحب أبدية على قدر ما تحتمل الدنيا، ولذا فهو يضغط على القلب لا بالساعة ولا باليوم، بل يجثم بقطعة ضخمة من الزمن كأنها عمر كامل فرحها شديد شديد، وحزنها شديد شديد.

سر عجيبت فكرت طويلا كيف أسميه فلم يستو لي، وقد جل أن يقع معناه في كلمة، ولكني أسميه المعنى المتفرق المجتمع؛ إذ هو بجملته ظاهر في الوجه كله، وهو بجملته أيضا ظاهر على مقدار ذلك في كل موضع من قسمات وجهك ومعارفه، كأنه لا أجزاء له ولا جملة كأنه شيء أبدي، كأنه في وجهك تأله الحب. •••

ومن بعض هذا السر تلك الابتسامة الواقعة على ثغرك ترق فيها الروح مرة وتتكاثف مرة، حتى كأنها وهي في الرسم - لون روحي ظهر يتموج على شفتيك، فما أقلب فيه عيني إلا شعرت أن روحي تذوب فيه كما يتمازج لونان في السماء على الشفق الأحمر.

ومن بعضه هذه النظرة الحية التي تبعث في كل معنى من معانيك حياة، وتخلق منه لعيني فكرة أتلمحها فيه، حتى ليروعني من أثرك علي وأنا أنظر إلى رسمك، أني أتخيل نفسي بجملتها أسئلة وجسمك هذا بجملته أجوبتها!

نظرة ساحرة تجعلني أرى كل شيء في رسمك محدودا، ومع ذلك أراك أنت غير محدود في شيء! كأن لك فيضا من الجمال والسحر يستغرق العالم، ويغمر الكون، ولا يكتفي بما ينتهي دون ما لا ينتهي، أم كأنك أنت مجتلى هذا الفيض لعيني؛ وكأنك وسيلة في اتصال روحي بروح الجمال الأزلي.

وماذا أقول في هذا الشكل المنسجم المتجاوب من كل نواحيه، إلا أنه القوة الرهيبة ظاهرة في ملمسها الناعم، والضعف المؤنث الذابل مسلحا بأسلحة الشهوات والفتنة، والسلطة القادرة اتخذت لها شكل الجمال فيك لتأمر وتنهى فينا.

إنه الجمال أكبر من الجمال؛ إذ كانت فيه القوة والفتنة والحب جميعا، والجمال وحده من شأنه أن يعجب، ولكنه فيه يصبي ويدله، وبذلك يعجب ويفتن، وبذلك يتسلط مسوغا الحق، وبذلك لا تكون له إلا الطاعة!

لا أرى غير هذا الشكل يأخذ بقلبي، ولكن أين أجد الكلام يستوعب كل ما في قلبي لأعطي كل معانيك الصوت واللغة؟

وكيف لي أن أزعم أني وصفت التي تمتاز على الشمس والقمر بأن فيهما النور وحده، وفي وجهها النور الحي؟

| البلاغة تتنهد

تقولين في رسالتك أيتها العزيزة:

1

لقد كنت أحسب فيما حسبت بعد أن طوحت بنا النوى

2

وضرب الدهر هذه الضربة بيننا - أن سعادة الفكر المتصل بي منك والمتصل بك مني تخفف عني بعض ما أجد فتنقل خفقة قلب إلى قلب، وترسل لمحة نفس إلى نفس، وتعطي العمر ولو عمر ساعة من غير هذا الزمن، فأقطع إليك هذه المسافة المتراخية

3

بقوة كقوة الأحلام: لا تدع في الكون أبعادا ولا مسافة بل تحويه كما تحوي المرآة الصورة التي تقابلها، تتراءى فإذا هي مرسومة كما هي منظورة، ولكن يا أسفاه! لقد أرتني الحقيقة أن الحياة مادة، وأن هذه المعاني المحبوبة التي نحفظها ممن نحبهم لا تزال تنازع دائما إلى أشخاصها المحبوبين؛ ليخففووا من لوعتها أو قل ليزيدوا في لوعتها - فإن الحب هو الطرف الشاذ الذي لم يعرف له وسط، فإن لم يكن ذاهبا إلى الزيادة مطردا بها، كان غير شك منحدرا إلى النقص مستمرا فيه.

الحياة مادة يا صديقي، فإذا أنا لم أقل كلمة وأسمع ردها، أو أخط سطرا أو أقرأ مثله، أو أرسل نظرة وأتلقى جوابها، فإن الفكر الذي يسعدني في كل شيء هو نفسه الذي يعذبني حينئذ بأحب الناس إلي، يعذبني بك حين لا أراك!

أما والله يا عزيزتي إن في دون هذا للبلاغة كل البلاغة، فكلامك بيان كإشراق الضحى، وهو مثلك فوق وصف الواصف، وإن فيك لمنبع سحر كالنهار الذي ينبع من شمسه، فلا تخط أناملك سطرا إلا تضوأت فيه الحياة،

4

ولا أقرأ لك لفظا تكتبينه إلا بمعنى منه ومعنى منك.

أوراق الورد · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ١٠