هو لا يحيا في العالم، بل في معاني نفسه، وبذلك هو دائما فوق الدنيا.
ومن حياة الأطفال المنحصرة في معاني أنفسهم، ندرك، سر الحب وسر السعادة، فإن كل لذة الحب، وإن أروع ما في سحره، أنه لا يدعنا نحيا فيما حولنا من العالم، بل في شخص جميل ليس فيه إلا معاني أنفسنا الجميلة وحدها، ومن ثم يصلنا العشق من جمال الحبيب بجمال الكون، وينشئ لنا في هذا العمر الإنساني المحدود ساعات إلهية خالدة، تشعر المحب أن في نفسه القوة المالئة هذا الكون على سعته، فتمر النفس حينئذ في سبحات اللذة الروحية، من الجميل، إلى الجمال، إلى الطبيعة، إلى الله جل جلاله.
2 •••
إما ابتسامتك أنت ...
أنك حين تمنحين نظرتك وتتبعينها الابتسامة التي تفسرها أقول عندئذ في نفسي: لقد علم الله علمه في حكمته ورحمته، فلما خلق الحقيقة من قوته عابسة جافية، قابلها من رحمته بالحبيبة متبسمة رقيقة ... فلعل المرأة الجميلة أسلوب في الفرع الإنساني كأسلوب إنشاء الزهرة في ذات القوة الخشنة التي تنبت الشوك.
ولك ابتسامة يزيد سكون الطرف من غموضها، والأخرى يزيد استطلاق وجهك من صراحتها، والثالثة على استحياء كأن وعدا معلقا فيها.
ولك ابتسامة ملحنة كأنها نشيد وجد، يترقرق فيها صوتك الرخيم الذي هو أيضا تصوير الابتسامة بحروف ورنين. •••
المعنى الذي يتحول بغيره، يقابله المعنى الذي لا بد أن يحول غيره. إنها مشكلة عجيبة كأن حلها أعجب منها.
فما توجد امرأة هي جميلة فاتنة في وهم رجل، إلا انبعث من شخصها معنى ليس في أحد غيرها، كأن فيها وحدها ما لا يوجد في آدمي، وفي هذا السيال المعنوي يذوب كل شيء، وترى هذا الرجل يصغر للحب - ولا أقول يصغر به - فيرجع كالطفل تتولاه الطبيعة متمثلة في امرأة ... امرأة تعمل وحدها فيما يسوء، ويسر عمل الدنيا، وأكبر من عمل الدنيا!
لكل محب مع المخلوقات التي يعيش بينها مخلوقات من خواطره وآماله، وهذا برهان آخر على أن الشخص المحبوب أحد قوتين متقابلتين في الخلق.
3
وقد تهتم الحبيبة أن تكاشف محبها، ولكنها بابتسامة ظريفة ترد أفكارها الخطرة إلى أماكنها، وبهذه الابتسامة عينها تزعج في نفس محبها تلك الأفكار من أماكنها.
آه من تلك الابتسامة المرحلة الذاهلة! عليها لعيني المشتاق سمة من فتح ذراعيه، وضم وقبل! •••
في ابتسامة الحبيب يتنقل العاشق بروحه بين المعاني والخيالات الشعرية السماوية، وفي تلك النظرات منه يسافر بقلبه إلى أحلامه البعيدة كما يسافر الفلكي بعينه إلى النجوم في (التلسكوب).
يسمونه ابتساما، ولكن حين يظمأ النبات لا يقول للناس: أريد الماء، بل يقول للشمس وحدها. أريد من شعاعك البارد العذب يا حبيبتي!
الماء حين يبصر تحرق الإسفنج وقد جف وانكمش يقول: إن كل ثقب من هذه الثقوب نفس ظمأى.
كذلك أوحي إلي أن محبا قبل حبيبته في روضة عند شجرات من الورد، فأشارت إحداهن إلى شفتي الجميلة المضمومتين، وقالت لصواحبها أسمعتن قط أجمل همسا من هذه الورود الصغيرة وهي تتفتح ... •••
الزمن كله موسيقى عند المحب، ولماذا؟
لصوت حبيبته.
والزمن كله ربيع في رأي عينيه، والدليل؟
ورد خديها وشفتيها.
والزمن كله جمال في نفسه، والبرهان؟
كلها كلها ... •••
وهل أبدع الله الفهم الجميل المبتسم بهندسته وتقسيمه إلا ليبدع هو في ابتساماته فن الروح حين لا تستطيع أو لا تريد أن تتكلم فترتعش ...؟
كلام الفكر من اللسان، وكلام القلب من العينين، أما كلام الروح فهو هذه الحركة البليغة وحدها! وحدها!
أليس تألق الماسة هو وحده لغة معدنها النفيس؟
والألفاظ تجيء وفي نطقها معانيها، ولكن ابتسام الحبيبة هو يستخرج معناه من محبها!
واللغة رابطة بين النفس والمادة، وأما الابتسامة فرابطة بين الحس والقلب.
إنها الروح تأخذ عن روح أخرى في حالة من الحالات النفسية الخالقة، تحول كل شيء إلى لغة حتى اللحم والدم.