تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43 - سورة الزخرف

43.1

سبق أن تحدثنا عن الحروف المقطعة في بدايات بعض سور القرآن، وأن لها حكمة مرادة من الحق سبحانه نحوم حولها، ثم نقول: والله أعلم بمراده.

43.2

الواو هنا للعطف، يعني ﴿ حم * والكتاب المبين ﴾ [الزخرف: 1-2] هما شيء واحد، وهما قرآن يقسم الله به، لكن فصل بينهما بالعطف، لأن ﴿ حم ﴾ [الزخرف: 1] نقرؤها ونؤمن بها ولا نعرف معناها، بل نردها إلى المتكلم بها سبحانه، أما ﴿ والكتاب المبين ﴾ [الزخرف: 2] أي: الواضح البين المظهر للأشياء، لذلك نفهمه ونعرف معانيه.

43.3

هذا هو المقسم عليه، فالحق سبحانه يقسم بهذه الحروف العربية، وبالكتاب المكون من هذه الحروف أنه جعله ﴿ قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ﴾ [الزخرف: 3] سماه كتابا لأنه مكتوب في السطور، وسماه قرآنا لأنه مقروء، ووصفه بأنه عربي ليؤكد على أنه نزل بلسان القوم، كما قال سبحانه:

ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم..

[إبراهيم: 4]. إذن: لا بد أن يكون الرسول بلسان قومه ليفهموا عنه ولتتم عملية البلاغ. فإن قلت: فكيف إذن أرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة على اختلاف لغاتهم؟ نقول: أرسل بلسان قومه الذين عاصروه وباشروا تلقي توجيهاته الأولى، فلما فهموها واقتنعوا وآمنوا بصدقها حملوها إلى غيرهم من الأمم، وساحوا بها في أنحاء الأرض حركة وعملا وسلوكا وتطبيقا. هذا معنى الرسالة إلى الناس كافة، فالإعجاز فيها في السلوك العملي والتطبيق، لذلك يقول لنا التاريخ: إن الإسلام انتشر في البلاد بالسلوك القويم الذي بهر الناس جميعا فدخلوا في دين الله أفواجا، واقرأ:

ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين

[فصلت: 33]. ويقول سبحانه عن هذه الأمة:

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..

[البقرة: 143] وهكذا كلف الخلفاء جميعا بحمل هذه الرسالة، فالرسول يشهد أنه بلغنا، والأمم الأخرى تشهد أننا بلغناهم. إذن: باللغة فهمت هذه الأمة وترجمت هذا المنهج إلى عمل، فتحولت من أمة أمية جاهلة لا نظام لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبت إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبقوا تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفت الأنظار إلى الإسلام. لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ:

ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36]. لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصدا للسائلين، لماذا؟ لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء به، ثم يوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول:

قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون

[يوسف: 37-38]. يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا وتأويلها مثلي تماما.

هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلين ما أرادا أعطاهما ما أراد هو أولا من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع لكل كلمة يقولها. لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول:

يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٤٧