فالتغيير باليد خاص بأولي الأمر، وجعل التغيير بالقلب أضعف الإيمان فهو حظ ضعيف، فتعيَّن أن حظ عامة المؤمنين هو تغيير المنكر باللسان.
ومن حرية القول بذل النصيحة قال الله _ تعالى _: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)]العصر.
وفي الحديث الصحيح: =الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم+.
وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي: =بايعت رسول الله " على الإسلام فشرط عليَّ =والنصح لكل مسلم+ فبايعته على ذلك+.
ومن حرية القول حق المراجعة من الضعيف للقوي كمراجعة الابن أباه والمرأة زوجها، وفي حديث عمر بن الخطاب =كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم؛ فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبت عليَّ امرأتي فراجعتني، فأنكرت عليها أن تراجعني قالت: ولِمَ تُنكر عليَّ أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وقد أخبر عمر بذلك رسول الله " فأقره+.
وقد راجع الصحابة رسول الله " في أشياء من غير التشريع، من ذلك لما نزل رسول الله " بالجيش أدنى ماء من بدر في وقعة بدر قال له الحباب بن المنذر: =أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة+؟
قال رسول الله ": =بل هو الرأي والحرب والمكيدة+.
فقال: =يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزلَه، ثم نعورَ ما وراءه من القُلُب(1) ثم نبنيَ عليه حوضاً، فنملأَه، فنشربَ ولا يشربوا+.
فقال رسول الله " =لقد أشرت بالرأي+.
وقال عمر لرسول الله " يوم صلح القضية حين رأى عزم رسول الله"على إجابة شروط قريش: =ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فعلام نعطى الدنية في ديننا+
(1) نعور بالعين المهملة: أي نفسدها ونسدمها، شبَّه القلب بعيون الناس، فجعل إفسادها كالعور يقال: عور العين وعارها، والقُلُب: جمع قليب وهي البئر القريبة الماء.