علّمها الصبر فهان عليها كل عسير، وعلمها الشجاعة فحقر أمامها كل خطير، وعلمها الكرم فجادت في سبيل الخير بكل نفيس، وعلمها العزة فسمت إلى كل مقام مجيد، وعلمها التواضع فتألفت كل قلب سليم، وعلمها الرحمةَ والرحمةُ رباطُ التآزرِ والتعاونِ على تكاليف الحياة، وعلمها الإيثارَ والإيثارُ أقصى ما يبلغه الإنسان من مراتب الكمال.
رفع المصطفى " أعلام العلم، وهدى إلى مكارم الأخلاق، ثم علّم الإنسان كيف يعمل صالحاً، ويعيش آمناً، وهو الذي أوحى إليه بأصولٍ تجعل المدنية محكمة البناء، وآدابٍ تكسوها رونقاً وبهاءاً.
رجاحة عقله " وحكمة رأيه (1) للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين
تقلبوا في أرقى البلاد علماً وحضارة, وابحثوا عن أسلم الأميين بها فطرة، وأذكاهم جناناً، وأنفذهم بصيرة، وأطولهم تجارب, ثم اجلسوا إلى هذا الأمي ليالي وأياماً تزنون أقوله بقسطاس الحكمة, وتعرضون آراءه على قانون المنطق الصحيح, ثم انظروا إلى ما سمعتموه من قول صائب، ورأي مقبول, وضعوه بجانب ما تسمعون من أقوال لاغية، وآراء زائفة, لاشك إن فعلتم ذلك عرفتم أنَّ لنبوغ الأميين مجالاً ضيقاً وحداً غير بعيد.
بل انظروا في نوابغ الرجال من أهل العلم, فإنكم تجدون الرجل منهم قد وهبه الله _تعالى_ حظاً عظيماً من رجاحة العقل، وحكمة الرأي, ففاق أقرانه وصار في عصره العَلَمَ المشارَ إليه بالبنان, حتى إذا انقرض ذلك العصر, وأقبل على الناس عصر آخر, ظهر في هذا العصر نابغة يضاهي نابغة العصر السابق في تصرفه الفكري, وأتى بمثل ما أتى به من ثمر علمي.
(1) مجلة الهداية الإسلامية الجزء التاسع من المجلد السابع الصادر في ربيع الأول 1354، وانظر محمد رسول الله وخاتم النبيين، إعداد علي الرضا الحسيني، ص 118_123.