ومن آداب مجلسه أن أصحابه يكونون فيه على غاية التؤدة والسكينة؛ فقد روى أصحاب السنن عن أسامة بن شريك ÷أن رسول الله "إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، ومثله في حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ".
ومعنى كأنما على رؤوسهم الطير: أي في حالة السكون؛ لأن الطائر ينفر من أدنى تحرك.
وفي حديث هند بن أبي هالة _ رضي الله عنها _: كان رسول الله "يعطي كل جلسائه نصيبه لا يحسب أحد أن أحداً أكرم عليه منه.
وفيه أن مجلسه مجلس وقار، وحلم، وحياء، وخير، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته.
ومعنى لا تؤبن فيه الحرم: أي لا تذكر فيه حرمات الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء، والمراد بالحرم هنا أعراض الناس وما يحرِّمون تناوله منهم، ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية وهي الإعادة، والفلتات جمع فلتة وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة؛ يعني أن أهل ذلك المجلس أهل حفظ للسر، وإعراض عن اللغو، فلو صدرت من أحد فلتة لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع، وهذا أدب عربي رفيع، وفي هذا المعنى قال وداك بن ثميل من شعراء الحماسة:
وأحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطق العوّارَ غربُ لسان
الدعوة الشاملة الخالدة (1) للعلاَّمة الشيخ محمد الخضر حسين (2)
(1) مجلة لواء الإسلام العدد السابع من السنة الأولى في أول ربيع سنة 1367 هـ، وانظر كتاب: (هدى ونور) ص 43_45، للشيخ محمد الخضر، عناية الأستاذ علي الرضا الحسيني.
(2) ولد × في بلدة (نفطة) بتونس عام 1293 هـ _ 1873 م من أسرة علم، وصلاح، وتقوى.
_ يتصل نسبه بالنبي " وجده للأب علي بن عمر، وجده لأمه مصطفى بن عزوز، وخاله العلامة الشيخ محمد المكي بن عزوز، وشقيقاه العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين، والعلامة زين العابدين بن الحسين.
_ لما بلغ الثانية عشرة من عمره انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بطلاب العلم بجامعة الزيتونة أرقى المعاهد الدينية وأعظمها شأناً في المغرب، وحصل منها على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.
_ أوتي بياناً ساحراً، وقلماً سيالاً قلما يوجد له نظير في العصور المتأخرة، بل إنه يضارع أرباب البيان الأوائل.
_ كان ذا همة عالية، ونفس كريمة، وغيرة إسلامية، وقوةٍ في الحق.
_ كان هادئ الطبع، حسن المعشر، لَيِّن العريكة، جم التواضع، ذا زهد وقناعة.
_ كان متفنناً في علوم الشريعة من أصول، وتفسير، وفقه، ونحو ذلك.
_ كان إماماً من أئمة العربية في العصور المتأخرة، وفذاً من أفذاذ علماء الإسلام كما قال عنه العلامة محمد الطاهر بن عاشور _ رحمهما الله _.
_ كان مستقصياً في بحثه وفي نقاشه لآراء مخالفيه، وكان معتدلاً في حكمه وفتاويه يتمثَّلُ في ذلك نزاهةَ قلمِ المؤلف، وحسن أدبه، ونبل أخلاقه _كما يقول الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي ×_.
_ أصدر مجلة (السعادة العظمى) عام 1321 هـ، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب ثم أغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي.
=