تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما قرأنا في غزوة أحد أن أبا سفيان جمع جيشاً من قريش وأحلافهم، وأقبل بهم إلى حرب رسول الله في المدينة، فاستشار النبي " أصحابَه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟

وكان رأيه أن يتركهم حتى ينفذوا إلى المدينة فيقاتلهم المسلمون في أفواه أَزِقَّتها، فبادر جماعة من أفاضل الصحابة، وطلبوا الخروج إلى العدو بإلحاح، فنهض " ودخل بيته، ولبس لامته، وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك الذين كانوا قد ألحوا عليه في الخروج وقالوا له: إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال: =ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه+.

هذه الكلمة لا تصدر إلا من قلب ملؤه الشجاعة، وفيها شاهد على أن اختياره للمقام بالمدينة حتى ينفذ إليهم العدو، لم يَشُبْه خاطرُ التهيب من لقائهم، وإنما هو الرأي والمكيدة في الحرب.

=ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه+.

هذه الكلمة لا يقولها إلا من نهض ليقضي حياته في الجهاد، ووجد بين جنبيه شجاعة يصغر أمامها كلُّ عظيم، وكذلك كان المصطفى _ صلوات الله عليه _ يحتقر كلَّ ما يسميه الناس خطراً، ويثبت في وجه كلِّ ما تتزلزل له أقدام الأبطال رهباً، وهل يتوارى عن الموت أو يقطب عند لقائه من يتيقن أن موته إنما هو انتقال من حياة مخلوطة بالمتاعب والمكاره إلى حياة أصفى لذة، وأهنأ راحة، وأبقى نعيماً.

بُلي المسلمون في تلك الغزوة حتى ولوا المشركين أكتافهم.

ولكن رسول الله " ثبت بمكانه حتى انكفأت عليه كتائب المشركين، وهو في نفر قليل من أصحابه، فهشموا البيضة على رأسه، وجرحوا وجهه الكريم، وكسروا رَبَاعِيتَه، ولدينا مشاهد صدق على أنه كان يعظ الناس حين خفوا إلى الهزيمة وعظاً بليغاً، قال _تعالى_: [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] (آل عمران:153).

محمد رسول الله · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد رسول اللهص ١٥٠