تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سنَّة الله في الخليقة أن من تظاهر بغير ما هو واقع، وادعى لنفسه ضرباً من ضروب الكمال زوراً ورياءًا، فلا بدَّ أن يفتضح أمره ولو بعد أمد، ثم لا تكون عاقبته إلا خساراً وهواناً.

والشأن في فضيحته ووخامة عاقبته أن تكونا على قدر ما يدعيه لنفسه من كمال واصطفاء، ولا كمال ولا عظمة للإنسان فوق مقام الرسالة والنبوة؛ فمن ادعى هذا المقام فقد ادعى أقصى ما يمكن للبشر إدراكه، وادعى أنه أقرب الناس أو من أقربهم إلى رب العالمين.

فلو أن محمداً _صلوا ت الله عليه_ ادعى الرسالة بغير صدق لاستبان لمن اتبعه من ذوي العقول الكبيرة شيء مما ينقض هذه الدعوى.

وقد عاش نبي الله بعد دعوى الرسالة نحواً من ثلاثٍ وعشرين سنة، وهي مدة بالغة من الطول ما فيه كفاية لمن أراد أن ينظر في هذه الدعوى من كل ناحية، ويرقب سيرة صاحبها لعله يقف على أثر يدلّه على أنه غير ما يبطن، أو أنه يقول على الله ما لا يعلم.

ومن شواهد أن سيرته _ عليه الصلاة والسلام _ كانت نقية من كل ما يخدش في دعوى الرسالة أنَّ أشد الناس إيماناً به، وأملأهم قلوباً بمحبته وإجلاله هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

ليس في سيرة محمد " ما يدخل الريب في صحة رسالته؛ فسيرته من أعظم الدلائل على أنه يحمل نفساً بالغة من العظمة ما لا يبلغه الإنسان الذي يطلب العلا من نفسه، ولو بلغ من العبقرية ما بلغ، ولُقِّن من الحكمة ما شاء أن يُلقن.

نرى في محمد " رجلاً نهض بأمة عظيمة في نحو عشرين سنة، كانت متفرقة متشاكسة، فأصبحت متحدة متآلفة.

كانت الأمم تنظر إليها بعين الازدراء، فأصبحت معزَّزة الجانب تفتح البلاد وتضرب على هذه الأمم بسلطانها الكريم.

محمد رسول الله · الصفحة ١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد رسول اللهص ١٤٠