أسلم قال أسلمت لرب العالمين
[البقرة: 131] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم. وقال ابن جرير: كان الحسن يقول: إي والله، لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه، والختان، فصبر على ذلك. وعن الربيع بن أنس قال: الكلمات ﴿ إني جاعلك للناس إماما ﴾ ، وقوله:
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا
[البقرة: 125]، وقوله:
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
[البقرة: 125]، وقوله:
وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل
[البقرة: 125] الآية، وقوله:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل
[البقرة: 127] الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب. فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب زدني وقارا.
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجاز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
ولما جعل الله إبراهيم إماما سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم ﴿ قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ ، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت:
وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
[الآية: 27] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه، وأما قوله تعالى: ﴿ قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. وعنه قال: أما من كان منهم صالحا فاجعله إماما يقتدى به، وأما من كان ظالما فلا ولا نعمة عين. وعن ابن عباس قال، قال الله لإبراهيم: إني جاعلك للناس إماما، قال: ومن ذريتي، فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾. وروي عن قتادة في قوله: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وعاش.
وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين ألا ترى أنه قال:
وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين
[الصافات: 113] يقول ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ قال:
" لا طاعة إلا في المعروف "
وقال السدي ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾: يقول عهدي نبوتي. فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير. وقال ابن خويز منداد: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا شاهدا ولا راويا.