وحاجة الناس للقدوات ماسّةً جدا خاصة في هذ الزمن الذي كثرت فيه الفتن والشهوات والشبهات، وانتشرت فيه القيم الغربية والشرقية المنحرفة عن الفطرةِ السويّة، ومهما اجتهد المسلم في إصلاح نفسه وأخلاقه وقلبه سيجد صعوبة ومشقة.
وأعظم قدوة لنا في ديننا وأخلاقنا وصلاح ظاهرنا وباطننا – بعد الأنبياء وخاصة نبيّنا صلى الله وسلم عليهم أجمعين -: الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان خاصة في القرون المفضلّة.
وإذا لم نتمكّن من رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم فقد تمكّنا – بحمد الله – من الاطلاع على كمٍّ كثيرٍ من أخبارهم وسيرهم حتى كأننا نعيش معهم ونجالسهم، مما له الأثر الكبير على صلاحنا وتأثرنا بهم.
"فمُنتهى عِلْم عالِمِنا في هذا الزمان أن يأخذ من عِلْمهم، وغايةُ إحسان مُحْسِنِنا أنْ يقْتديَ بسِيرتهم.
وأحسنُ ما يصيب من الحديث محدِّثُنا أن ينظر في كتبهم, فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يَسْتمع.
غير أنَّ الذي نجد في كتبهم هو الْمُنْتَخل[٣] من آرائهم, والمنتقى من أحاديثهم.
[٣] أي: المنتقى والمختار.
ولم نجدهم غادروا[٤] شيئًا يجد واصفٌ بليغٌ في صفةٍ له مقالًا لم يسبقوه إليه: لا في تعظيم لله عز وجل، وترغيبٍ فيما عنده، ولا في تصغيرٍ للدنيا, وتزهيدٍ فيها، ولا في تحريرِ صنوف العلم, ولا في وجهٍ من وجوه الأدب, وضروبِ[٥] الأخلاق.
_________
[٤] أي: تركوا وأخلّوا.
[٥] أي: أنواع.
فلم يبقَ في جليلِ الأمر ولا صغيرِه لقائلٍ بعدهم مَقالٌ".[٦]
_________
[٦] الأدب الصغير لابن المُقَفَّع رحمه الله ( 56-57).
وقد عزّ عليّ أنْ أرى كتابًا حوى سيرهم مرتبة وواضحة وجامعًا لكل ما جاء عنهم فيما يتعلّق بصلاح العقيدة والدين والأخلاق، وسالمًا مما أدخله الكذابون وغيرهم وألصقوا عليهم أقوالا وقصصا لا تصح عنهم.