تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبعث خفية عن قومهم، ليسعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم.

روى " ابن إسحاق " في السيرة أن أبا سفيان بن حرب العبشي، و أبا جهل ابن هشام المخزومي، والأخنس بن شريق الزهري، خرجوا ذات ليلة متفرقين على غير موعد، إلى حيث يستمعون من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلى و يتلو القرآن في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، و لا أحد منهم يعلم بمكان صاحبيه. فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض:

" لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً " ثم انصرفوا.

حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل منهم إلى مجلسه لا يدري بمكان صاحبيه.

فباتوا يستمعون للمصطفى حتى طلع الفجر فتفرقوا و جمعهم الطريق فتلاوموا، وانصرفوا على ألا يعودوا.

لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة و باتوا يستعمون إلى القرآن، وعندما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدوا معه، عن بن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (رواه البخاري).

إعجاز النظم في القرآن الكريم

يقصد بنظم القرآن طريقة تأليف حروفه وكلماته وجمله وسكبها مع أخواتها فى قالب محكم للدلالة على المعانى بأوضح عبارة، فى أعذب سياق، وأجمل نظم.

إن النظم القرآنى البديع بهر العرب بحسن مبادئ الآيات، وتماسك الكلمات واتساقها فى التراكيب.

قال تعالى: (حم *تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ *وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت: 1 - 5)

هذه الآيات بتأليفها العجيب، و نظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة و كان من أساطين البيان استولت على أحاسيسه، و مشاعره، وطارت بلبه، ووقف في ذهول، و حيرة، ثم عبر عن حيرته و ذهوله بقوله: " و الله لقد سمعت من محمد قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة ... و الله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم".

بعض مزايا النظم القرآنى وأمثلة عليها:

1 - التناسق بين العبارة والموضوع الذى يراد تقريره: مثال ذلك:

قال تعالى: (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ .... ) (الأنبياء: 46)

فى سياق بيان الضعف البشرى أمام جبروت الخالق تبارك وتعالى فأراد بيان ضعفهم أمام العذاب الخفيف القليل، فأتى بكلمات كلها تتجه إلى إظهار الغرض، مستهم، نفحة، وهذه الكلمات كلها مسوقة إلى هدف واحد وهو وصف هذا العذاب بالقلة والضآلة ليبين أن المذنبين يندمون ويتأسفون على ماعملوا عند تعرضهم لنفحة بسيطة من عذاب الله.

2 - اهتمامه بالجملة القرآنية واختيار المكان المناسب فيها للكلمة المعبرة:

قال تعالى: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ .... ) (البقرة: 223)

مع كتاب الله · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع كتاب اللهص ٧٩