وجدير أن تعلم أن عبارة (صدوق) قد تجامع وصف الراوي بكونه (ثقة) في قول الناقد ، يوصف الراوي بهما جميعاً ، فإذا وجدت ذلك في راوٍ فالأصل أنه بمنزلة التوكيد لنعته بالثقة من قِبل ذلك الناقد ؛ كقول أحمد بن حنبل في أبي بكر بن أبي شيبة : "صدوق ثقة"(1) ، فأبو بكر متفق على حفظه وثقته ، فلم يقع هذا النعت له على سبيل التردد بين الوصفين ؛ وأكثر ما يأتي ذلك على هذا المعنى .
نعم ، قد يُطلق الوصفان مجموعين تارة ، ويشعر استعمالهما مقارنة بأوصاف سائر النقاد لذلك الراوي بأن المراد (هو صدوق أو ثقة) على سبيل التردد ، كقول أبي حاتم الرازي في سماك بن حرب : "صدوق ثقة"(2).
وربما جمع الناقد الأوصاف المتعددة من أوصاف التعديل في الراوي ، والتي لو جاءت مفرقة لكان لكل منها دلالتها ومعناها ، لكنها حيث اجتمعت فإنها تحمل على تأكيد التعديل ، كقول أبي حاتم الرازي في السري بن يحيى الشيباني : " صدوق ، ثقة ، لا بأس به ، صالح الحديث "(3) ، وقوله في عبد الله بن محمد بن الربيع الكرماني : " شيخ ثقة صدوق مأمون "(4).
وربما جُمعت إلى وصف أدنى ، فتنزل بالراوي عند الناقد له إلى تلك المرتبة الدنيا ، مع بقاء الوصف بالصدق في الجملة ، مثلُ عباد بن عباد المهلبي ، قال فيه أبو حاتم : " صدوق ، لا بأس به " ، قيل له : يحتج بحديثه ؟ قال : " لا "(5) .
أما إذا جاء الوصفان من أكثر من قائل ، فالأصل اعتبار دلالات ألفاظ كلٍّ على سبيل الاستقلال ، فإن الرجل يُختلف فيه بين أن يكون ثقة أو صدوقاً ، فيصار إلى تحرير أمره تارة بالجمع بين أقوالهم ، وتارة بالترجيح بدليله). انتهى كلامه .
(1) العلل ومعرفة الرجال (1658).
(2) الجرح والتعديل (2/1/280).
(3) الجرح والتعديل (2/1/284).
(4) الجرح والتعديل (2/2/162).
(5) الجرح والتعديل (3/1/83) ؛ قلت : قارِنْ بما تقدم من كلام أبي حاتم في عطاء الخراساني!.