وقد يكون سبب ذلك كثرة الرحلة والاشتغال بهذا الفن ، كما كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول : الحديث إذا لم يكن عندي من مئة طريق فأنا فيه يتيم(1) .
والحفاظ قد شُهر عنهم رواية الحديث على وجهين فأكثر ، ولذلك تراهم في كتب العلل إذا اختلف الثقات على أحد الحفاظ أهل الرحلة والاجتهاد في الطلب يقولون : والحديث محمول على الوجهين .
وقد يكون السبب في ذلك أنه يروي الحديث بالمعنى لا يلتزم لفظاً واحداً ، كما في "تاريخ بغداد" (9/36) ، مع أن الراوي ثقة(2) .
وقد يكون ذلك لأن الراوي يكذب في الحديث ، فيتزين في كل مجلس بما يليق به ، فإذا كان بحضرة أحد النقاد فإنه يروي الحديث بوجه مقبول ، وإذا كان أمام أضرابه فإنه يروي الحديث بوجه آخر .
وقد يكون في بلد[ة] بوجه ، وفي أخرى بوجه آخر ، والله المستعان(3) .
وقد يكون سبب ذلك التدليس : تعمية للأمر ، وتوعيراً للطريق أمام الباحث .
(1) انظر (تهذيب التهذيب) (1/124) .
(2) في (تاريخ بغداد) (9/36) : (قال أبو داود : كان سليمان بن حرب يحدث بحديث ، ثم يحدث به كأنه ليس بذاك) ؛ قال الخطيب : (قلت : كان سليمان يروي الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه في روايته ) . اهـ.
(3) نُقل هنا في الهامش كلاماً لابن رجب ولكن وقع لناقله انتقالُ نظر فسقط منه شيء فسد بسقوطه معناه ، فنقلته من أصله ، أعني (شرح علل الترمذي) ، وهو قال ابن رجب في (شرح العلل) (1/424-425) : (فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد : إن كان متهماً فإنه يُنسب به إلى الكذب ، وإن كان سيء الحفظ يُنسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط ؛ وإنما يُحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه ، كالزهري وشعبة ونحوهما .
وقد كان عكرمة يتهم في رواية الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر ، حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه ، ذكر معنى ذلك ابن ليهعة عن ابن هبيرة وأبي الأسود عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري ، وكان من أصحاب ابن عباس ) .