هذا ، وإنَّ أكثر محتويات كتب الغرائب لا تصح ؛ ولذلك كان للأئمة عبارات كثيرة في التحذير مما كان يفعله كثير من الرواة من كثرة الإقبال على الغرائب والمبالغة في البحث عنها وسماعها وتدوينها وحفظها ، مع التقصير في الاعتناء بالصحاح والمشاهير من الأحاديث ، وأكثر الناس تراهم أكثر ولعاً بالنادر الغريب منهم بالشائع الشهير ، قال ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (2/621) : (وأما الحديث الغريب : فهو ضد المشهور ؛ وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة .
ومنه قول ابن المبارك : "العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا " ، يعني المشهور ؛ خرجه البيهقي من طريق الترمذي عن أحمد بن عبدة عن أبي وهب عنه .
وخرج أيضاً من طريق الزهري عن علي بن حسين قال : "ليس من العلم ما لا يُعرف ، إنما العلم ما عُرف وتواطأت عليه الألسن" .
وبإسناده عن مالك قال : "شر العلم الغريب ، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " .
وروى محمد بن جابر عن الأعمش عن إبراهيم قال : "كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام " .
وعن أبي يوسف قال : "من طلب غرائب الحديث كذب(1) " .
وقال أبو نعيم : "كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة ، سقط حديثه في الغرائب " .
وقال عمرو بن خالد : سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس : "ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث فإني أعرف رجلاً كان يصلي في اليوم مئتي ركعة ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث" .
وذكر مسلم في مقدمة "كتابه" من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال لرجل : لزمت عمراً ؟ قا ل : نعم ، إنه يجيئنا بأشياء غرائب !! قال : يقول له أيوب : "إنما نفرُّ - أو نفرق - من تلك الغرائب" .
(1) الكاف تحتمل في ضبطها وجهين : الضم ، على البناء لما لم يُسمَّ فاعله ، والفتح على الجادة .