وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
إنها نعمة عظيمة، بها سعادة العبد في الدنيا والآخرة، نعمة رفعت الإنسان من مستوى البهائم، وأخرجته من الظلمات إلى النور، وحررته من رق العبودية والخضوع لغير الله. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17].
يقول سيد قطب – رحمه الله – في كلامه على هذه الآية: (ونحن نقف أمام هذا الرد، الذي تضمن حقيقة ضخمة يغفل عنها الكثيرون، وقد يغفل عنها بعض المؤمنين. إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عباده في الأرض. إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد، وسائر ما يتعلق من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع، إنها المنة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة وتجعل له في نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً) (1).
وإن من تمام نعم الله على عبده المؤمن أن يثبته على هذا الدين حتى يلقاه، لأن المسلم مهما قوي إيمانه، وازداد تمسكه بدينه فهو لا يتغني عن هداية الله طرفة عين. إذ هو عرضة للانحراف والزيغ، نسأل الله الثبات.
ولهذا أُمر العبد بأن يسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة من صلاته ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6 - 7] أي: دلنا وألزمنا الصراط المستقيم، والمراد به دين الله، لأنه يوصل إليه، وإلى دار كرامته وهي الجنة.
والمسلم مع اهتدائه ومعرفته الإسلام وعمله به. فهو محتاج إلى أن يسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة. وفي كل حال. وذلك لأن العبد قد اهتدى هداية مجملة تحتاج إلى هداية مفصلة في كل ما يأتيه ويذَره، ومعلوم أن ذلك لا يحصل في وقت واحد. وأيضاً فإن العبد همام يتحرك بالإرادة لتجدد حوائجه ورغباته في هذه الحياة، وكذلك تجري عليه أحداث في نفسه وفي بيئته وخارج بيئته، فلا بد من التأثر بها إن لم يكن على بصيرة من أمره. فكان في
(1) في ظلال القرآن (7/ 451)