معاملة المخلوق مع المخلوق، فالله أعلى وأجل، وله المثل الأعلى سبحانه وتعالى. فشكر العبد لربه بلسانه، وأفعالُه بضد ذلك لا يعد شكراً (1).
3 - شكر الجوارح:
لخص بعض العلماء شكر الجوارح بقوله: (وأما شكر الجوارح فملازمة الطاعات ومجانبة الزلات). وقال ابن القيم: (وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهراً وباطناً) (2) وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: (الشكر هو الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة) (3). وقال السُّبكي في – معيد النعم -: (وأما الأفعال فالمراد منها: امتثال أوامر المنعم واجتناب نواهيه. وهذا يخص كل نعمة بما يليق بها. فلكلِّ نعمة شكرٌ يخصها. والضابط أن تستعمل نعم الله تعالى في طاعته، وتتوقى من الاستعانة بها على معصيته، فليس من شكر النعمة أن تهملها، وتَشْكُرَ على وجهٍ غير الوجه الذي عليه بُنِيَتْ (4).
إن شكر الجوارح معناه: قيام الجوارح بالعبودية لله رب العالمين، لأن كل جارحة لها حظها من العبودية، ولا يتم ذلك إلا بالعمل بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، بفعل المأمور واجتناب المحذور. ويدخل في ذلك صرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، والاستعانة بها على طاعته، والحذر من صرفها في معصيته، أو الاستعانة بها على ذلك. ومن لوازم ذلك معرفة ما يحبه الله تعالى لأجل أن تستعمل نعمه في محابه. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] فجعل سبحانه وتعالى العمل شكراً، ذلك أن الشكر سلوك عملي، وليس كلمة تقال باللسان، كما أن الإيمان سلوك عملي وليست كلمة تقال باللسان.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى تتورم قدامه فقيل: يا رسول الله لِمَ تفعلُ هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟) (5).
(1) انظر تفسير الدوسري رحمه الله (2/ 498).
(2) الفوائد ص (234).
(3) فتح الباري (3/ 15).
(4) معيد النعم ص (12).
(5) رواه البخاري (8/ 548) ومسلم (2819).