والحال أن لم تفتقر حركة الإصلاح المؤسسي (الجيش والدولة ... الخ) دعم حركة الإصلاح الفقهي والفكري فقط، ولكنها حاربتها وعملت على تصفيتها، وهذا ما كان من مسلك استانبول (محمود الثاني) والقاهرة محمد علي من الحركة الوهابية في 1811.
لذلك كان من نتائج هذه الفترة، نوع من الانفصام بين حركة الاصلاح المؤسسي وحركة الاصلاح الفكري، ونوع من الازدواج بين الأبنية التقليدية نظيا وفكرا وبين الأبنية الحديثة نظها وفكرا، فصار القديم أبتر مقطوعا لم يفض الى جديد من نوعه ومن مادته ومائه، وصار الجديد اجنبيا القيطا وفد من نسق عقيدي آخر ومن أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة. وما حل القرن العشرين حتى كانت البيئة الاجتماعية والفكرية قد انصدعت بين قرن أبتر وقرن لقيط أعقبه. وهذا ما ورثناه حتى اليوم وما تواجهه الحركة الاسلامية التعامل مع مجتمع مصدوع، عليها أن تلائم صدعه وان تجدد قديمه وتؤصل حديثة.
وفي ظل هذا الظرف انت الموجة التجديدية الثانية، جاءت من المناطق التي عرفت من قبل بمناطق القلب، والتي آلت مع نهايات القرن التاسع عشر إلى الغزو والاحتلال الأجنبي، واستفتحت برجال مثل جمال الدين الأفغاني (1839 - 1899) ومحمد عبده (1849 - 1905) ومحمد رشيد رضا (1890 - 1935). وفي الوقت ذاته صار للتيار المحافظ وظيفة جد هامة تتعلق بالوقوف دفاعا عن أصول العقيدة وثوابتها في وجه رياح الغزو العاتية التي لم تترك أخضر ولا يابس وشملت الفكر والعقائد والعوائد وأساليب العيش ... الخ.
لقد صار على الحركة الاسلامية في عمومها ومجدديها ومحافظيها أن تواجه أوضاعا متعددة تستدعي مواقف فكرية متباينة، فهي لم تعد تواجه ما كان يواجهه ابن عبد الوهاب من تعصب مذهبي وبدع وخرافات، وهي لم